تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الحكم الغوثية — صفحة 167

مساهمون:

ص١٦٧
الطريق كله أدب ، فمن فارق الأدب انفصل وحصل العطب ، وكلّما ازداد السالك كمالا وقربا ازداد عبودية وحبّا ، وكلّما صفت القلوب ازدادت الجوارح خدمة للمحبوب ، وتلذّذ بالطاعات ، كما يتلذّذ غيره بالطاعات ، وصفت له المعاملات ، وذهبت عنه المشقّة ، وتخلّص من الكدورات ، يحيي الليالي الطوال بطول القنوت ، ويتلذّذ بمناجاة الحيّ الذي لا يموت ، مقتديا في ذلك بمورثه الذي قام حتى تورّمت منه الأقدام . فقيل له : كيف تفعل ذلك ، وقد غفر لك ما تقدّم من ذنبك ، وما تأخّر ؟ . فقال : « أفلا أكون عبدا شكورا » « 1 » . فدلّ قوله صلى اللّه عليه وسلم على أن الشكر هو القيام بآداب الخدمة ، وأن الكامل من لزم طريق بدايته ، واستوفى الخدمة ؛ فلذلك لم يترك الجنيد رضي الله عنه ورده عند النزع ، فقيل له في ذلك ، فقال : ومن أولى منّي بهذا في هذا الوقت ، وهذه صحائفي تطوى . فإذا عرفت ذلك أيّها الأخ فتفرّغ للخدمة ؛ تكن من النّسّاك ، وأعرض عن القواطع ، واجتهد في عبادة من رزقك وأعطاك . قال رضي الله عنه :

52 - اطرح الدنيا على من أقبل عليها ، وأقبل على مولاك ، ومن يتفرّغ من أشغال الدنيا ؛ أشغله الحق بالخدمة .

لما حرّضك أيّها السالك على القيام بآداب الخدمة ، وشوّقك إلى ذلك ، وبيّن لك أن الرفعة في لزوم الخدمة شرع يبيّن لك طريق الوصول إلى ذلك ، وكيف يستهل عليك السلوك في تلك المسالك ، وذلك بطرح الدنيا على أربابها ، والإقبال على مولاك بعدم الاشتغال بأسبابها ، فمن تفرّغ في أشغال الدنيا ؛ أقامه الحق في خدمته ، وبلّغه الرتبة العليا . وما أحسن ما قال بعضهم :
هامش
( 1 ) رواه البخاري ( 4 / 1830 ) ، ومسلم ( 4 / 2171 ) .
شرح الحكم الغوثية — صفحة 167 | أحمد فريد المزيدي / أحمد بن ابراهيم النقشبندي