لذلك بعد العصر ؛ لكونه آخر النهار ، وبعد الصلاة الوسطى ، فينظر ما مرّ له في نهاره كله ، فإن كانت طاعات فيشكر اللّه ويحمده حتى يكون ذلك سببا للمزيد ، وإن كانت سيئات ، كما هو شأن الغالب على أمثالنا ؛ فيستغفر اللّه من ذلك ، ويغسله بصابون الاستغفار ، وليدفع عنه وسخ بلاء الأوزار ، كما قال تعالى :
وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ
[ الأنفال : 33 ] « 1 » .
هامش
( 1 ) فائدة في معنى الآية : قال سيدي إسماعيل حقي : المراد بالتعذيب الأول هو : التعذيب الدنيوي ؛ لأن وجود النبي صلى اللّه عليه وسلم أمان للمذنبين ، وعبارة الخطاب له صلى اللّه عليه وسلم ، وإشارة لإصفاء أمته ؛ فيكون كقوله : « لولاك ، لولاك لما خلقت الأفلاك » ؛ فإن المراد به : لولاك ولولا ما هو شعبة من شعب أنوارك لما خلقت العالم من العرش ، والكرسي وغيرهما .
ومن ذهل عن هذه الدقيقة ؛ وهم الفقهاء المحجوبون ؛ منع صحة تلك المقالة ، وزعم أن فيها تحقيرا لسائر الأنبياء - عليهم السلام - .
وأمّا قول المرتضى كرّم اللّه وجهه : كان في الأرض أمانان ، فرفع أحدهما ، وبقي الآخر ، فأمّا الذي رفع ؛ فهو رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وأمّا الذي بقي ؛ فالاستغفار .
وقرأ بعده هذه الآية .
فالمراد به : الأمان الكامل ، فإنه لا شك مرفوع عن هذه الأمة ، وبقي ما دونه من بعض الأمان ؛ وهو ما حصل بوجود الورثة في كل عصر حتى أنه قد يحصل لبعضهم التألّم من وجود بعض المصرّين ، فيقال له : وما كان اللّه ليعذبهم وأنت فيهم .
وقد يرتفع الأمان حسبما اقتضته المشيئة الإلهية ، كما ارتفع من أهل بغداد حين استولى عليهم هولاكو الكافر الجنكيزي حتى استأصّلهم مع وجود كثير من الورثة فيهم على أنهم استشهدوا أيضا ، وكان أمر اللّه قدرا مقدورا ، فلهم في ذلك رفع الدرجات ، وتكميل مراتب المحبية ، والمحبوبية ، ولمن فعل بهم ذلك من الدركات ، وتنزيلهم في أسفلها ؛ لأنه اشتدّ غضب اللّه على من قتل نبيا ، أو قتله نبي .
وأولئك الأصفياء من حيث ورثتهم في حكم الأنبياء ؛ ولذا يغضب اللّه لهم كما يغضب الأسد لشبله ، فقد يكون الرحمة في صورة الغضب ، وقد يكون الأمر بالعكس ، نسأل اللّه لطفه وكرمه .
والمراد بالتعذيب الثاني هو : التعذيب الأخروي الذي دخل فيه التعذيب الروحاني ، وذلك إن الاستغفار طلب ستر النفس بالأنوار الروحانية حتى لا يلحقها عذاب من الظلمات الطبيعية ، -