ولذلك كان يتوسّل بعض العارفين في تصحيح المراقبة بمريديه بهذه الأذكار الثلاثة : اللّه معي ، اللّه ناظري ، اللّه شاهدي ، ثم يقول بعد ذلك للمريد : من كان اللّه معه ، وناظره وشاهده كيف يعصيه ؟ .
فاسمع يا أخي هذه الوصية ، واعمل بمقتضى هذه القضية ؛ تحز مقام المراقبة ، وتصل إلى الفتوة التي هي مقام الكمّل على سبيل المعاتبة .
قال رضي الله عنه :
35 - الفتوة ألّا تشتغل بالخلق عن الحق .
لما بيّن لك أيّها السالك أن أفضل الطاعات عمارة الوقت بالمراقبات ، شرع محصن على هذا المعنى ، ويدخلك في أوج هذا المعنى ، وبيّن لك أن الفتوة التي هي مقام الكمال من الرجال ؛ هي عدم اشتغالك بالخلق ، وذلك عين اشتغالك بالحق ؛ لأنك متى انفصلت وصلت .
والاشتغال بالحق هو عين المراقبة ؛ لأن حقيقتها أن تعلم أن اللّه مطّلع عليك على أحوالك ، فتراقب هذا المعنى بأن تصير رقيبا له ، وحارسا لمعناه ، ومتوسّلا لطلب ما يفيض عليك من ظلال مبناه ، والمراقبة التي هي عين الفتوة أصل جميع السعادات .
وما أحسن ما قيل : إلهي عميت عين لا تراك عليها رقيبا ، وخسرت صفقة عبد لم تجعل له من حبّك نصيبا ؛ وهي مقام الإحسان مقام دخول العارف بقلبه إلى أعلى الجنان ، وهي الباب الجامع لكل خير في الطريق نافع ، وهي التي متى أشرقت شمس ضحاها على القلوب أذابت منها كل رذيلة ، ونمت عرائس المحبوب .
الفتوة : هي التي تكسّر سائر الأصنام ، وتفنى من ساحة المحبوب سائر الآثام .
هي التي تزيّن الأسرار ، وتجلو عين البصيرة حتى لا يرى السالك إلّا المحاسن من العبيد ، وتطيب له السريرة .
ولذلك قال رضي الله عنه :