تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الحكم الغوثية — صفحة 145

مساهمون:

ص١٤٥
وذلك علامة تحقّقه في التوحيد ، ورسوخه في أوج علاه . فلا تجنح يا أخي بهمّتك إلّا إلى أفضاله ، ولا تقبل بقلبك إلّا إلى حضرته ، ولا تشهد إلّا عظيم نواله ، كما قال اللّه تعالى :
وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ
[ النحل : 53 ] ، فإذا شهدت هذا المشهد العظيم ؛ فعليك بمراقبة هذا الأمر العميم . قال رضي الله عنه :

34 - أفضل الطاعات عمارة الوقت بالمراقبات « 1 » .

فعمّر أوقاتك بمراقبة مولاك ؛ بأن تعلم أنه الذي أعطاك بكل فضيلة ، وأزال عنك كل رذيلة ، وغذّى قالبك بأقواته ، وأحيى قلبك بذكره بعد مماته ، وجعلك عبدا له ، وعلّمك آداب الخدمة ، وفهّمك طريق عبادته ، وألزمك الحرمة ، ومع ذلك هو ناظر إليك ، ومقبل بألطافه عليك ، ما من حركة ولا سكون منك إلّا وهي بإرادته ، ولا لفتة ناظر ولا فلتة خاطر إلّا وهي بقدرته ، كما قال تعالى :
وَما تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَما تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ
[ يونس : 61 ] .
هامش
- الفاعل المختار الذي يثيب العبد المكلف على الحسنات ، ويعاقبه على السيئات إن شاء ، ويقبل التوبة ، ويعفو عن السيئات كما وعد . الوقت : عبارة عن حالك ، وهو ما يقتضيه استعدادك لغير مجهول ، في زمن الحال الذي لا تعلق له بالماضي والمستقبل فلا يظهر فيك من شؤون الحق الذي هو عليها ، في الآن ، إلا بما يطلبه استعدادا ، فالحكم للاستعداد وشأن الحق محكوم عليه . هذا هو مذهب التحقيق ، فظهور الحق في الأعيان بحسب ما يعطيه استعدادها ، فلذلك ينبوع فيها فيض وجود الحق ، وهو في نفسه على وحدته الذاتية ، وإطلاقه وتجرده ، وتقدسه غنى عن العالمين ، فالوقت هو الحاكم والسلطان ، فإنه يحكم على العبد فيمضه على ما يقتضيه استعدادا ، ويحكم على الحق بإفاضة ما سأله العبد منه بلسان استعداده في زمن الحال ، إذ من شأن الجواد التزام توفيه استحقاق الاستعدادت كما ، ينبغي ، وفي قوله تعالى :وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ. تأييد لهذا التحقيق إن كانت « ما » موصولة في موضوع النصب على أنه مفعول مختار ، ومن كان يحسب ما خاطبه به الشرع في كل حال ، فهو في الحقيقة صاحب وقته ، فإنه قام بحقه ، ومن كان هكذا فهو عند ربه من السعداء . ( 1 ) في نسخة : ( بالموافقات ) .
شرح الحكم الغوثية — صفحة 145 | أحمد فريد المزيدي / أحمد بن ابراهيم النقشبندي