36 - القوة « 1 » رؤية محاسن العبيد ، والغيبة عن مساوئهم .
وذلك لأن من لازم الاشتغال بالحق الغيبة عن مساوئ الخلق ؛ إذ من اشتغل بالحق لم يشهد فعلا إلّا فعله ، ولا وصفا إلّا وصفه ، ولا وجود إلّا وجوده ، فمن لم يشهد في العبيد إلّا أوصاف الحق وأفعاله ووجوده ؛ لم يشهد إلّا محاسنهم ، ويغيب عن مساوئهم ؛ إذ المساوئ مفقودة في نظر هذا الشاهد :
إذا ما رأيت اللّه في الكلّ فاعلا * رأيت جميع الكائنات ملاحا
وما أحسن ما قال ابن الفارض رضي الله عنه :
وكلّ الذي شاهدته فعل واحد * بمفرده لكن بحجب الأكنّة
إذا ما أزال السّتر لم تر غيره * ولم يبق في الأشكال أشكال ريبة
فيا أيّها الغنيّ المتحقّق بالفتوة أخلص للّه في معاملتك ، واخرج عن حولك والقوة .
قال رضي الله عنه :
37 - من أخلص للّه في معاملته تخلّص من الدعوى الكاذبة « 2 » .
هامش
( 1 ) في نسخة ( الفتوة ) .
( 2 ) قال سيدنا الشرقاوي في شرح الحكم الكردية : قيل لسهل بن عبد اللّه رضي الله عنه : أي شيء أشد على النفس ؟ فقال : الإخلاص ، وكم أجهد في إسقاط الرياء عن قلبي ، فكأنه ينبت فيه على لون آخر .
قال أبو طالب رضي الله عنه : والإخلاص عند المخلصين : إخراج الخلق من معاملة الخالق ، وأول الخلق النفس .
وعند المحبّين : ألا يعمل عملا لأجل النفس ، وإلا يدخل عليه مطالعة العوض ، أو تشوف إلى حظ طبع .
وعند الموحدين : خروج الخلق من النظر إليهم في الأفعال ، وترك السكون والاستراحة بهم في الأحوال انتهى .
فإذا حمل العبد في نفسه وألزمها التواضع والمذلّة ، واستمرّ على ذلك حتى صار له خلقا وحيلة بحيث لا يجد لضعته ألما ولا لمذلته طعما زكت نفسه واستنار بنور الإخلاص قلبه ، ونال من ربه أعلا درجات الخصوصية ، وحصل أوفى حظ ونصيب من المحبة الحقيقية ، فهذا لا يكره الذم من الخلق ؛ لوجود النقص في نفسه ولا يحب المدح منهم ؛ لفقد القدر والمنزلة في نفسه ، فصارت الذلة والضعة صفة لازمة له ، لزوم العرض للجوهر ، فإن كان مع اللّه تعالى بالذل طلبه واستحلاه ، كما -