إذ الدعوى الكاذبة تنشأ من النفاق ، وإظهار خلاف ما في الباطن ، ومن علم أن اللّه تعالى رقيبه ، مطّلع على ما في ضميره ، قادر على الانتقام منه ؛ لزمه الإخلاص للّه في المعاملة ، واجتهد في الصدق في أفعاله وأقواله وأحواله .
وما أحسن ما قال بعضهم : عليك بالصدق ، ولو أنه أحرقك الصدق بنار الوعيد ، وابغ رضا المولى ، فأغبي الورى من أسخط المولى وأرضى العبيد ، واجتهد في تصحيح هذه الخصلة يا أخي تحز مقام الفلاح .
هامش
- يطلب المتكبر العز ويستحليه إذا وجده ، فإن فارق ذلك الذل ساعة لغيّر قلبه لفراق حاله ، كما أن المتعزز إن فارق العز ساعة تكدر عليه عيشه ؛ لأن ذلك عيش ، فإذا لا بدّ للمريد إسقاط جاهه وإخمال ذكره ، وفراره عن موضع اشتهاره وتعاطيه أمورا مباحة تسقطه من أعين الناس ، كقصة السائح الذي سمع به ملك زمانه فجاء إليه ، فلما علم بذلك السائح استدعى بقلا وجعل يأكله أكلا عنيفا بمرأى من الملك ، فلما رآه على تلك الحالة استحقره واستصغره فانصرف عنه ذا ماله .
وقد بالغ بعضهم في مداواة علة الجاه الذي علق في القلوب ، حتى استعملوا في ذلك أشياء منكرة في ظاهر الشرع ، ورأوا فعل ذلك جائزا لهم ولغيرهم ، وذلك مثل قصة الرجل الذي دخل الحمام ولبس من فاخر ثياب الناس ، بحيث تظهر ومشي بذلك متمهلا بحيث يرى ويظن بذلك السرقة ، فلما رآه الناس أخذوه وصفعوه ، ورموا الثياب عنه واشتهر عندهم بالسرقة ، حتى كان يعرف عندهم بلص الحمام ، فحينئذ وجد قلبه .
ومثل ما يروى عن أبي يزيد رضي الله عنه في قصة الشاهد ، الذي أمره بحلق رأسه ومخلاته مغلقة في عنقه أيضا ، وإعطائه من ذلك لمن يصفعه من الصبيان ، وطوافه على تلك الحال في المحافل والمحاضر ذكر ذلك أبو حامد الغزالي رضي الله عنه وغيره .
وإذا جاز لمن غصّ بلقمة حلال أن يسيغها بالجرعة من الخمر إذا لم يجد غيره ، مع أن تحريمه مقطوع به ولا يفوته بترك الجرعة إلا حياة فانية ، فلأن يجوز مثل هذا إذا تعين عليه أولى ؛ إذ يفوته بترك المنكر في ظاهر الشرع الحياة الباقية والقرب من اللّه تعالى ، فإذا التزم العبد هذه الطريقة من الرياضات ماتت نفسه ، وحيا قلبه وقرب من حضرة ربه ، واجتنى ثمرة غرسه على غاية الكمال والتمام .
وتلك الثمرة أخلاق الإيمان ، التي تكيفت بها نفسه وصارت كصفاته ذاتية له ، وهي نتيجة الحكمة التي أنبتها اللّه في قلوب عباده المتواضعين .
قال تعالى :وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً[ البقرة : 269 ] .