عبوديتهم من إصلاحهم الظواهر للخدمة ، والبواطن للوقوف بالحضرة ، وذلك علم الشريعة والطريقة .
فبالشريعة يعرف السالك إصلاح الظاهر ، وبالطريقة يصير الباطن من دنس الشرك طاهر ، فمن تحقّق بهؤلاء الطاهرين صحّ له أن يدخل الحقيقية ، ويظفر بقرة العين ، وينتفع حينئذ ، وينفع ويقبل عليه كل شيء ، ويخضع ويغترف من بحار التوحيد ، ويستقر في مقام التفريد ، وتتفجر من قلبه ينابيع الحكمة ، ويصلح له أن يتكلّم في أرفع العلوم من علم التوحيد ويفهمه .
فعليك يا أخي بصحبة من جعل اللّه قلبه معدنا لهذه اللطائف ، وإيّاك وصحبة أهل الدنيا ، فإن قلوبهم محلّ الغفلة والكثائف .
قال الشيخ رضي الله عنه :
29 - جعل اللّه قلوب أهل الدنيا محلّا للغفلة والوسواس ، وقلوب العارفين مكانا « 1 » للذكر والاستئناس .
فإن جالست أهل الدنيا سرت فيك غفلتهم ، وأحاطت بقلبك وسوستهم ، وإن جالست العارفين أشرقت عليك أنوارهم ، وأحاطت بقلبك لطائفهم وأسرارهم :
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه * فكلّ قرين بالمقارن يقتدي
وقال غيره :
عليك بأرباب الصّدور فمن غدا * مضافا لأرباب الصّدور تصدر
فلا تصحب يا أخي إلّا من تستيقظ بأقواله ، ويحرك إلى مولاك حسن أفعاله ، وقوة حاله ، قال صلى اللّه عليه وسلم : « يحشر المرء على دين خليله ، فلينظر أحدكم من يخالل » « 2 » .
وقال اللّه تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ
[ التوبة :
119 ] .
هامش
( 1 ) في البيان ( محلا ) .
( 2 ) رواه أبو داود ( 4 / 259 ) ، والترمذي ( 4 / 589 ) ، وأحمد ( 2 / 303 ) .