أي : أنفع العلوم العلم الذي يعرف به أحكام العبيد ، وكيف يتوصّلون به إلى
هامش
- وقال صلى اللّه عليه وسلم : « تفكروا في آلاء اللّه ، ولا تتفكروا في ذات اللّه » .
وقال أيضا في جواب من سأل عن رؤية الرب :
« ويحك نورا أني أراه ، وإني للعبد » أي : كيف أرى ؟ .
وإن كان بكسر الهمزة فمعناه ( إني أراه ) باللّه لا بنفسي ، فهذا لا ينافي ما مرّ فهو تعالى لا يشاهد إلا في الصورة من نفس العبد أو غيره .
فأعلم العلماء العارفين اعترف بأنه عرفه حق المعرفة .
وقال الصديق رضي الله عنه : « العجز عن درك الإدراك إدراك » ، فدلّ على أن ثمّة أمر يعجز عن إدراكه ، وإن التوحيد هي الوحدة الحقيقية التي لا يزاد عليها شيء لا من حيث الظهور ، ولا من حيث البطون ؛ لأنه تعالى من حيث إطلاقه المنزه عن الإطلاق ، والتقييد ، والتشبيه والتنزيه غير الظهور والبطون ، وأفراد العالم كلها مع أنه ليس بخارج منها ، ولا داخل ، ولا متصل ، ولا منفصل ظاهرا وباطنا ؛ إذ لا يجوز أن يكون معه شيء زائد ؛ لأن ذاته غنية عن العالمين ، وقال صلى اللّه عليه وسلم : « كان اللّه ولا شيء معه » ، فالآن كما كان ؛ لأن كان وجودية لا زمانية ففيه معنى الدوام والثبوت ، فمن هذه الحيثية لا يصح أن يحكم عليها بنفي ولا إثبات .
ومن هذا قال أحد العارفين : من سأل عن التوحيد فهو جاهل ، ومن أجاب عنه فهو ملحد ، ومن عرّفه فهو مشرك ، ومن لم يعرف ذلك فهو كافر يعني التوحيد لا يحصل بالطلب والسعي والحيلة ، فلا يمكن تحصيله ، وطلب المحال محال ، والجواب عنه ميل وعدّل عن حقيقة الأمر ؛ لأنه لا يدخل تحت حيطة العبادة مع أنه مجهول للنفوس البشرية ، فكل من تكلم فيه فقد تكلم بالمحال بغير دراية الحال ، فإنه ليس بالقيل والقال .
قال أفضل الخليقة صلوات اللّه وسلامه عليه : « سبحانك ما عرفناك حق معرفتك » ، وكذا جميع الأنبياء والأولياء .
وقال سيد الطائفتين الجنيد البغدادي قدّس سرّه : « واللّه ، ثم واللّه ، ثم واللّه ما عرف اللّه سوى اللّه » .
وكل من يقول : أنا عارف بالتوحيد فهو مشرك بعرفانه باللّه ؛ لأن الذات المطلقة تأبى عن مشاركة العرفان لها وعن كلّ مشارك ، ومن لم يعرف بأن الحق تعالى له هذا التوحيد مثل ما مرّ ، وأنه تعين بهذه التعينات كلها فهو كافر ساتر لما هو الأمر عليه . وانظر : شرح الحكم الأكبرية للباني ( ص 250 ) بتحقيقنا .