تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الحكم الغوثية — صفحة 135

مساهمون:

ص١٣٥
فلا تفرح يا أخي ، ولا تعجب إلّا بنواله ، ولا تصحب إلّا من يعلمك العلوم التي تقرّبك إلى حضرة كماله . قال رضي الله عنه :
هامش
- قسم : فرحوا بها لما يرجون عليها من النعيم ويدفعون بها من عذابه الأليم ، فهم يرون صدورها من أنفسهم لأنفسهم لم يتبرؤا فيها من حولهم وقوتهم ، وهم من أهل قوله تعالى :إِيَّاكَ نَعْبُدُ[ الفاتحة : 5 ] . وقسم : فرحوا بها من حيث إنها عنوان الرضا والقبول ، وسبب في القرب والوصول ، فهي هدايا من الملك الكريم ، ومطايا تحملهم إلى حضرة النعيم ، لا يرون لأنفسهم تركا ولا فعلا ولا قوة ولا حولا ، يرون أنهم محمولون بالقدرة الأزلية مصرفون عن المشيئة الأصلية وهم من أهل قوله تعالى :وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ[ الفاتحة : 5 ] . فأهل القسم الأول : عبادتهم للّه . وأهل القسم الثاني : عبادتهم باللّه وبقدرة اللّه ، وبينهما فرق كبير . وقسم ثالث : فرحهم باللّه دون شيء سواه ، فانون عن أنفسهم باقون بربهم ، فإن ظهرت منهم طاعة فالمنة للّه ، وإن ظهرت منهم معصية اعتذروا للّه أدبا مع اللّه ، لا ينقص فرحهم إن ظهرت منهم زلة ، ولا يزيد إن ظهرت منهم طاعة أو يقظة لأنهم باللّه وللّه ، من أهل لا حول ولا قوة إلا باللّه ، وهم العارفون باللّه . فإن ظهرت منك أيها المريد طاعة أو إحسان فلا تفرح بها من حيث أنها برزت منك فتكون مشركا بربك فإن اللّه تعالى غني عنك وعن طاعتك ، وغنى عن أن يحتاج إلى من يطيعه سواه ، قال اللّه تعالى :وَمَنْ جاهَدَ فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ[ العنكبوت : 6 ] . وقال صلى اللّه عليه وسلم حاكيا عن ربه عزّ وجل : « يا عبادي لو أنّ أوّلكم وآخركم وإنسكم وجنّكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد ، ما زاد ذلك في ملكي شيئا » الحديث . وافرح بها من حيث إنها هدية من اللّه إليك تدل على أنك من مظاهر كرمه وفضله وإحسانه ، فالفرح إنما هو بفضل اللّه وبرحمته قال تعالى :قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا[ يونس : 58 ] ، ففضل اللّه هو هدايته وتوفيقه ، ورحمته هو اجتباؤه وتقريبه ، وقيل : فضل اللّه الإسلام ، ورحمته القرآن ، وقيل : فضل اللّه هداية الدين ، ورحمته جنة النعيم ، وقيل : فضل اللّه توحيد الدليل والبرهان ، ورحمته توحيد الشهود والعيان ، وقيل غير ذلك ، واللّه تعالى أعلم . وانظر : الإيقاظ ( شرح الحكمة : 77 ) .