تعافيت من هذه الأمراض الرديّة لزمتك الحمية حتى تصح لك المقامات السنية .
قال رضي الله عنه :
27 - الحمية في الأبدان ترك المخالفة بالجوارح ، والحمية في القلوب ترك الركون إلى الأغيار ، والحمية في النفوس ترك الدعوى .
السالك كالمريض ، واحتياجه إلى الحمية أشدّ من احتياجه إلى الدواء ؛ فالحمية رأس كل دواء ، فما ينفع دواء الطاعات مع وجود المعاصي ، وعدم الحمية من الخطيئات ، ولكل محلّ من السالك حمية تخصه .
فالحمية في الأبدان ترك المخالفة بالجوارح ؛ فلذلك قيل : الإرادة حفظ الحواس ، والظّن بالأنفاس ، فيحمي السالك لسانه عن النطق بما لا يعنيه ، وسمعه عن استماع ما لا يفيده فائدة تقرّبه إلى مولاه من أمور دنياه وأخراه ، ويحمي بصره عن النظر إلى المحرّمات ، وهكذا سائر جوارحه لا يشغلها إلّا بما خلقت لأجله حتى يجوز مقام الشكر ، ويستوجب المزيد ، ويصير من جملة العبيد ، فيجد فيه حينئذ دواء الطاعات ، ويصير من الأصحاء ، ويتمكّن من الخدمة ، وسائر الأوقات .
والحمية في القلوب ترك الركون إلى الأغيار ؛ وهذه الحمية هي قطب دائرة هذا المدار ، فمن لم يتقنها فقد حلّ به الداء العضال ، ومن لم يرسخ فيها فقد انفصل من حيث يظهر الاتصال ، فإذا حلّت بك شدة أيّها الأخ ؛ فلا ترجع إلى حلّها إلّا إلى مولاك ، ولا تفرج بها على باب سواه ، فتهلك أشدّ الهلاك ، وأنشد بلسان حالك ، وترنّم في هذه المسالك هذه الأبيات :
أنا لا أعرف إلّا أنتم * فأجيزوني بعطاء منكم
كلّ شخص لعزيز ينتمي * وعزيزي ليس إلّا أنتم
قال النبي صلى اللّه عليه وسلم لشخص : « إذا قمت في صلاتك فصلّ صلاة مودع ، ولا تتكلّم بكلام تعذر فهمه ، واجمع الإياس مما في أيدي الناس » « 1 » .
فانظر إلى ما ختم به صلى اللّه عليه وسلم هذه الموعظة من قوله : ( واجمع الإياس مما في أيدي الناس ) ، تعلم أن السعادة العظمى في عدم الركون إلى الناس ، واليأس مما في أيديهم ،
هامش
( 1 ) رواه أحمد ( 5 / 412 ) ، وابن ماجة ( 2 / 1396 ) .