واسمع أيضا ما قاله صلى اللّه عليه وسلم لابن عباس رضي الله عنه : « يا غلام إني أعلمك كلمات تنفعك :
احفظ اللّه يحفظك ، احفظ اللّه تجده تجاهك ، وإذا سألت فاسأل اللّه ، وإذا استعنت فاستعن باللّه ، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلّا بشيء قد كتبه اللّه لك ، وإذا اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلّا بشيء قد كتبه اللّه عليك ، رفعت الأقلام ، وجفّت الصحف » « 1 » .
تأمّل هذا الكلام من نبيّك صلى اللّه عليه وسلم تجد الكيمياء حاضرة بين يديك ، والكنوز مدفونة في ساحتك ، إن فهمت وعملت بما ألقي إليك ؛ فلا تسكن بقلبك إلّا إليه ، ولا تنطرح بذلّتك وانكسارك إلّا بين يديه ، فالحمية في النفوس ترك الدعوى ؛ إذ الدعوى لها هو السمّ القاتل ، فماذا ينفع ترياق الطاعات ، وقد أصيبت القاتل ؟ إذ دعوى النفس ينشأ من عجبها ، وهو أشدّ المهلكات .
كما شهد بذلك سيد الكائنات حيث قال صلى اللّه عليه وسلم : « ثلاث منجيات ، وثلاث مهلكات ، فأمّا المنجيات : فتقوى اللّه في السرّ والعلانية ، والقول بالحق في الرّضا والسخط ، والقصد في الغنى والفقر ، وأمّا المهلكات : فهوى متبع ، وشح مطاع ، وإعجاب المرء بنفسه ، وهي أشدهن » « 2 » .
فمن كان عنده أشدّ المهلكات كيف يتوقّع الشفاء من أدوية الطاعات ؟ فلذلك قال الشيخ رضي الله عنه : من مات ولم يتوغّل في علمنا هذا مات ، وهو مصرّ على الكبائر ، ولقد صدق فيما قال .
فأي شخص يا أخي يصوم ولا يعجب بصومه ، وأي شخص يصلّي ولا يعجب بصلاته ، وهكذا سائر الطاعات إلّا أن تحل عليه عناية مولاه بمعونة آداب الخدمة من مجالسة أطباء القلوب ، وحلول عناياتهم عليه حتى يمحق العجب الذي حلّ به من تلك الطاعات ، ولا يعجب بعد ذلك إلّا بفضل مولاه .
كما قال في الحكم العطائية : لا تفرحك الطّاعة لأنها برزت منك ، وافرح بها لأنها برزت من اللّه إليك
قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ
[ يونس : 58 ] « 3 » .
هامش
( 1 ) رواه الترمذي ( 4 / 667 ) ، وأحمد ( 1 / 293 ) .
( 2 ) رواه البيهقي في الشعب ( 5 / 452 ) ، والحكيم الترمذي في النوادر ( 2 / 7 ) .
( 3 ) قال الشيخ ابن عجيبة : والناس في الفرح بالطاعة على ثلاثة أقسام : -