تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الحكم الغوثية — صفحة 129

مساهمون:

ص١٢٩
ينقصك ذرّة مما قسم لك ما فعل ، فكيف وأنت تطلب ذلك بلسان حالك وقالك . وقال إبراهيم الخواص رضي الله عنه : كل يوم أصبح تأتيني النفس فتقول : ماذا تأكل اليوم ؟ فأقول لها : أكل الموت ، فتقول : ماذا تلبس ؟ فأقول : الكفن ، فتقول : ماذا تسكن ؟ فأقول : القبر ، فتسكت حينئذ ، والمقسوم لها يقبلها أحبت أم كرهت :
جرى قلم القضاء بما يكون * فسيان التّحرّك والسّكون جنون شكّ أن تسعى * لرزق ويرزق في غشاوته
وقال آخر :
مثل الرزق الذي تطلبه * مثل الظّلّ الذي يمشي معك أنت لا تدركه تبعا * وإذا ولّيت عنه تبعك
جاء رجل إلى أبي القاسم الجنيد رضي الله عنه « 1 » فقال له : أطلب الرزق ؟ فقال : إن علمت
هامش
( 1 ) هو سيّد الطائفتين ، أصله من نهاوند ، ومنشؤه بالعراق ، وكان فقيها يفتي على مذهب الإمام أبي ثور صاحب الإمام الشافعي ، وراوي مذهبه القديم ، صحب خاله السقطي والحارث المحاسبي ، ومحمد بن علي القفار ، وكان من كبار أئمة القوم وساداتهم ، وكلامه مقبول على جميع الألسنة ، مات يوم السبت سنة سبع وتسعين ومائتين ببغداد ، ودفن بها وقبره ظاهر يزار . كان يقول : الغفلة عن اللّه أشد من دخول النار . وكان يقول : إذا رأيت الفقير فلا تبدأه بالعلم وابدأه بالرفق ؛ فإن العلم يوحشه ، والرفق يؤنسه . وكان يقول : من أشار إلى اللّه وسكن إلى غيره ابتلاه اللّه بالمحن ، وحجب قلبه عن ذكره ، وأجراه على لسانه ، فإن انتبه وانقطع إلى اللّه كشف عنه المحن ، وإن دام على السكون إلى غيره نزع اللّه من قلوب الخلق الرحمة عليه ، وألبسه لباس الطمع فيهم ، فيزداد مطالبه منهم مع فقدانه الرحمة من قلوبهم ، فتصير حياته عجزا وموته كمالا وآخرته أسفا ، ونحن نعوذ باللّه من الركون إلى غيره . وكان يقول : يقول اللّه تعالى : « لو أن ابن آدم قصدني في أوّل المصائب لرأى مني العجائب ، ولو انقطع إليّ في أول النوائب لشاهد مني الغرائب ، ولكنه انصرف إلى إشكاله فرد في إشغاله » . وكان يقول : مكابدة العزلة أشد من مداراة الخلطة . -
شرح الحكم الغوثية — صفحة 129 | أحمد فريد المزيدي / أحمد بن ابراهيم النقشبندي