واكرع من بحار هذا الشهود ، وأقم في التنعيم ، ولا تشهد في كل شيء إلّا مولاك ، ولا تعاين في السراء والضرّاء إلا نعم من أولاك ، فإنه متى أعطاك أشهدك برّه ، ومتى منعك أشهدك قهره ، فهو في كل ذلك متعرف إليك ، ومقبل بوجه لطفه عليك ، فأنّى يبقى القطب مع هذه المشاهد ، وأنّى تحضر الهموم مع الوصول إلى هذه المقاصد .
فلله در صاحب الحكم العطائية حيث قال : النعيم وإن تنوعت مظاهره ؛ إنما هو بشهوده واقترابه ، والعذاب وإن تنوعت مظاهره إنما هو بوجود حجابه ، فسبب العذاب وجود الحجاب ، وتمام النعيم بالنظر إلى وجهه الكريم ، ما تجده القلوب من الهموم والأحزان فلأجل ما منعت من وجود العيان .
فإن أردت يا أخي الوصول إلى هذه المنازل فاتّبع ما قاله رضي الله عنه :
23 - احرص أن تمسي وتصبح مسلما أو مؤمنا « 1 » ؛ لعله ينظر إليك فيرحمك .
احرص أن تصبح مسلما بانقيادك للشريعة ، ومؤمنا باتّباعك للطريقة ؛ لعله ينظر إليك حيث تأهّلت لذلك بإصلاح مواضع نظره ، فيرحمك بتنزّل فيوض رحمته ، فيغنيك بهاطل مطره .
فلا تكن همّتك أيّها السالك إلّا إصلاح ما ظهر منك وما بطن ، وامتثال ما أمرك به مولاك في كل وطن ، فزيّن ظاهرك بملابس الشريعة ، واحرث أرض قلبك بآداب الطريقة تنصبّ عليك أمطار الحقيقة ، ويصير قلبك محلّا للنظر إلى الحق وتجليّاته ، وموضعا لتنزّل فيوضه ، وعظيم عناياته كما قال صلى اللّه عليه وسلم : « إن اللّه لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ؛ ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم » « 2 » .
فلا تكن همّتك أيّها السالك إلّا إصلاح مواضع نظره ، وأعرض عن الدنيا المذلّة المعوّقة للطالب عن قضاء وطره .
كما قال الشيخ رضي الله عنه :
24 - من اشتغل بالدنيا ابتلي بالذلّ فيها .
سأل شخص النبي صلى اللّه عليه وسلم فقال : دلني على عمل إذا عملته أحبّني اللّه ، وأحبّني الناس ؟
هامش
( 1 ) في البيان : ( مفوضا مستسلما ) .
( 2 ) رواه مسلم ( 4 / 1987 ) .