تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الحكم الغوثية — صفحة 122

مساهمون:

ص١٢٢
ويعبّرون عن الموت بالفناء ؛ وهو الخروج عن الأوصاف البشرية بترك الاختيارات والإرادات ، والتدبيرات والشهوات ؛ إذ الميت لا إرادة له ، ولا اختيار ولا تدبير ، فمن خرج عن إرادته وتدبيره واختياره ، وحوله وقوته خرج عن نفسه ، وهي أقرب الخلق إليه ، ودخل في إرادته تعالى وتدبيره واختياره وحوله وقوته ، وكان ذلك عين وصوله إليه ؛ ولذلك قال :
ولتفن حتى عن صفاتك أنّه * عين البقاء فعند ذاك تراه
وقال آخر :
وافن إن شئت فناء سرمدا * إنّ الفناء يدني إلى ذاك الفناء
[ قال الشيخ رضي الله عنه : التسليم إرسال النفس في ميادين الأحكام وترك الشفقة عليها من الطوارق والآلام ] « 1 » . فيا من يتطلّع إلى مقامات أهل الفناء عليك بالتسليم في جميع أمورك ؛ تذوق كأس الهناء ، كما قال رضي الله عنه . إذا علمت يا أخي أن الحق تعالى عالم بأحوالك ، قادر على كفايتك ، أرحم بك من أبيك وأمك ومنك عليك ، ومازجت لحمك ودمك هذا المقام ، وتجرّعت مرارته كما يتجرّع كؤوس المدام ، وأنشدت بلسان حالك وأنت سالك في هذه المسالك :
وليتك تخلو والحياة مريرة * وليتك ترضى والأنام غضاب وليت الذي بينك وبيني عامر * وبيني وبين العالمين خراب إذا صحّ منك الودّ يا غاية المنى * فكلّ الذين فوق التّراب تراب
وانظر إلى وصيته صلى اللّه عليه وسلم لذلك الذي استوصاه ، فقال له : أوصني يا رسول اللّه ، فقال له صلى اللّه عليه وسلم : « لا تغضب » . ثم قال له : أوصني ، فقال له صلى اللّه عليه وسلم : « لا تغضب » « 2 » . كرر عليه ذلك ليرشده إلى حلاوة ما هنالك ؛ يعني : تحقّق بمقام الرضا والتسليم ،
هامش
( 1 ) سقطت هذه الحكمة من نسخة الشرح ، واستدركناها من « البيان والمزيد » ( ص 20 ) . ( 2 ) رواه البخاري ( 5 / 2267 ) ، والترمذي ( 4 / 371 ) .