تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشكول — صفحة 296

مساهمون:

ص٢٩٦
أغمض في مطالبها وأخذها من مصرحاتها ومشتبهاتها قد لزمته تبعات جمعها ، وأشرف على فراقها تبقى لمن وراءه ينعمون فيها ، ويمتعون بها ، فيكون المهنا لغيره والعبء على ظهره والمرء قد غلقت رهونه بها وهو يعضّ يديه ندامة على ما انكشف له عند الموت من أمره ، ويزهد فيما كان يرغب فيه أيام عمره ، ويتمنّى أنّ الذي كان يغبط بها ويحسده عليها قد حازها دونه فلم يزل الموت يبالغ في جسده حتى خالط سمعه ، فصار بين أهله لا ينطق بلسانه ولا يسمع بسمعه يردد طرفه بالنظر في وجوههم يرى حركات ألسنتهم ولا يسمع رجع كلامهم . ثم ازداد الموت التياطا به ، فقبض بصره كما قبض سمعه وخرجت الروح من جسده وصار جيفة بين أهله قد أوحشوا من جانبه وتباعدوا من قربه لا يسعد باكيا ، ولا يجيب داعيا ثم حملوه إلى محط في الأرض فأسلموه فيه إلى عمله وانقطعوا عن زؤرته « 1 » حتى إذا بلغ الكتاب أجله ، والأمر مقاديره والحق آخر الخلق بأوله ، وجاء من أمر اللّه ما يريده من تجديد خلقه ، وأماد السماء وفطرها وارج الأرض وأرجفها وقلع جبالها ونسفها ، ودك بعضها بعضا من هيبة جلالته ومخوف سطوته فأخرج من فيها ، فجددهم بعد أخلاقهم ، وجمعهم بعد تفريقهم ثم ميزهم لما يريد من مسألتهم عن خفايا الأعمال ، وجعلهم فريقين أنعم على هؤلاء وانتقم من هؤلاء فأما أهل الطّاعة فأثابهم بجواره وخلدهم في دار حيث لا يظعن النزال ولا يتغير بهم الحال ولا ينوبهم الإفزاع ، ولا تنالهم الأسقام ولا تعرض لهم الأخطار ، ولا تشخصهم الأسفار . وأما أهل المعصية فأنزلهم شر دارهم ، وغل الأيدي إلى الأعناق ، وقرن النواصي بالأقدام ، وألبسهم سرابيل القطران ومقطعات النيران في عذاب قد اشتد حره ، وباب قد أطبق على أهله في نار لها كلب « 2 » ولجب ولهب ساطع ، وقصيف هائل ، لا يظعن مقيمها ولا يفادي أسيرها ، ولا تقصم كبولها ، ولا مدة للدار فتفنى ولا أجل للقوم فيقضى . قيل لبعض الحكماء : أيما أحب إليك أخوك أم صديقك ؟ فقال : إنما أحب أخي إذا كان صديقا . قال بعض العارفين : إنّ الشيطان قاسم أباك وأمك أنه لهما لمن الناصحين ، وقد رأيت ما فعل بهما وأما أنت فقد أقسم على غوايتك كما قال اللّه تعالى حكاية عنه :
فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ
« 3 » فما ذا ترى يصنع بك ؟ فشمر عن ساق الحذر منه ومن كيده ومكره وخديعته . قال بعضهم الأب رب والأخ فخ والعم غم والخال وبال ، والولد كمد ، والأقارب عقارب
هامش
( 1 ) الزؤرة مصغر من زار يزور زيارة . ( 2 ) كلب : شدت . ( 3 ) ص الآية ( 83 ) .