أمير المؤمنين هل طار عن كرسيه ؟ ولعمري أنّ الأمر كما قال بشار . واعلم أنّ هذه الأبيات من رقيق الشعر غزلا ومديحا ، وقد أذعن لها شعراء ذلك العصر ، وناهيك بهم ومع هذا تراها من السّلامة واللّطافة في أقصى الغايات ، وهذا هو الكلام الذي يسمّى السّهل الممتنع فتراه يطيعك وإذا أردت مماثلا له راغ عنك كما يروغ الثعلب ، وهكذا ينبغي أن يكون الكلام ، فإنّ خير الكلام ما دخل في الاذن بغير إذن ، وأما البذاءة والتوعر « 1 » في الألفاظ فتلك أمة قد خلت ومع ذلك فقد عيب على مستعمليها في ذلك الوقت أيضا .
قولهم انطباق مركز ثقل الأرض على مركز العالم على ما هو التحقيق يستلزم حركة الأرض بجملتها بسبب تحرك ثقيل عليها ، يريدون تحركها خلاف جهة تحرك الثقيل كما يظهر بأدنى تخيل ، لا إلى جهة حركته كما ظنّه بعض الفضلاء .
حكي الأصمعي قال : كنت أقرأ « السّارق والسّارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من اللّه واللّه غفور رحيم » « 2 » وبجنبي أعرابي ، فقال : كلام من هذا ؟ فقلت كلام اللّه قال :
أعد ، فأعدت ، فقال : ليس هذا كلام اللّه فانتبهت فقرأت واللّه عزيز حكيم ، فقال أصبت هذا كلام اللّه فقلت : أتقرأ القرآن ؟ قال : لا ، فقلت : فمن أين علمت ؟ فقال : يا هذا عز فحكم فقطع فلو غفر ورحم لما قطع .
قال بعض الحكماء : من شرف الفقر أنك لا تجد أحدا يعصي اللّه ليفتقر ، وأكثر ما يعصي المرء ليستغني . أخذ هذا المعنى المحمود الوراق فقال :
يا عائب الفقر الا تنزجر * عيب الغنى أكثر لو تعتبر
إنك تعصي لتنال الغنى * ولست تعصي اللّه كي تفتقر
قال بعض الحكماء : من ضاق قلبه اتسع لسانه .
ومن كلامهم ينبغي للعاقل أن يجمع إلى عقله عقل العقلاء ، وإلى رأيه رأي الحكماء فإنّ الرّأي الفذ « 3 » ربما زل ، وأنّ العقل الفرد ربما ضل .
قال الحسن البصري ، يا من يطلب من الدنيا ما لا يلحقه أترجو أن تلحق من الآخرة ما لا تطلبه ؟ .
هامش
( 1 ) التوعر في الكلام من وعر وعره أي حبسه عن حاجته ووجهته . الوعر : المكان الصلب وصعب السير .
( 2 ) المائدة الآية ( 42 ) .
( 3 ) الفذ من الرأي : المنفرد والمستبد منه .