شرح
ويضرب لذلك مثالا فيقول : مقام الزهد مثلا ، فإنه يكون أولا عمله مجاهدة بترك الدنيا وأسبابها ، ثم يكون مكابدة بالصبر على الفاقة حتى يصير حالا ، ثم يسكن القلب ويذوق حلاوته فيصير مقاما . وكذلك التوكل يكون مجاهدة بترك الأسباب ، ثم يكون مكابدة بالصبر على مرارة تصرفات الأقدار ، ثم يصير حالا ، ثم يسكن فيه ويذوقه فيصير مقاما .
وكذلك المعرفة تكون مجاهدة بالعمل في الظاهر كخرق العوائد من نفسه ثم تكون مكابدة بالمعرفة والاقرار عن التصرفات ، ثم يصير حالا ، فإذا سكنت الروح في الشهود وتمكنت صارت مقاما ، فالأحوال مواهب ، والمقامات مكاسب . يعنى أن الأحوال مواهب من اللّه جزاء لثواب الأعمال ، فإذا دام العمل واتصل الحال صار مقاما ، فالأحوال تتحول وتذهب وتجىء ، فإذا سكن القلب في ذلك المعنى صار مقاما وهو مكتسب من دوام العمل .
واعلم أن الحال والمقام لكل واحد علم وعمل ، فالمقام يتعلق بالعلم أولا ، ثم السعي في عمله حتى يكون حالا ، ثم يصير مقاما ، وكذلك الحال يتعلق بالعلم أولا ، ثم يصير مقاما فحالا .
فعلامة التحقق بمقامات الإنزال ، هو حسن الحال ، وعلامة حسن الحال هو حسن العمل ، فاتقان الأعمال ، وحسنها هو ثمرة ونتيجة حسن الأحوال ، وحسن الأحوال واتقانها هو نتيجة التحقق بمقامات الإنزال . أي التحقق بالإنزال في المقامات .
ويختلف الصوفية في حقيقة الأحوال والمقامات ، فبعضهم يجعل من المقامات أحوالا ، والبعض الآخر يجعل بعض الأحوال مقامات . والأمثلة على ذلك كثيرة وأولها ما يورده القشيري الذي أدخل كثيرا من الأحوال