شرح
وعندما يحدثنا الجنيد عن الأحوال نجده يبدأ بالمراقبة ، والمراقبة تقتضى القرب ، والقرب يقتضى المحبة والخوف ، والرجاء مقرون بالخوف ، والرجاء والحب يقضيان الشوق ، والشوق يقتضى الأنس ، والأنس يقتضى الطمأنينة ، والطمأنينة تقتضى المشاهدة ، والمشاهدة تقتضى حال اليقين . ( الطوسي : اللمع ، ص : 68 ) .
كما أن أرباب الأحوال كالسفن المسرعة فما دام الريح باق فالشراع قائم والسير دائم فإذا فقدوا الريح وقفوا . وهذا هو رأى الخواص .
( الشعراني : كشف الحجاب والران ، ص : 105 ) .
فالأحوال هي التي ترد على العبد على وجه الابتداء ولكن صفاءها بعد زكاء الأعمال ، فهي كالأخلاق من هذا الوجه ، لأن العبد إذا نازل الأخلاق بقلبه فيفنى بجهده منّ اللّه عليه بتحسن أخلاقه ، وكذلك إذا واظب على تزكيه أعماله يبذل وسعة منّ اللّه عليه بتصفية أحواله ، بل لتوفيقه أحواله .
فمن يترك مذموم أفعاله بلسان الشريعة يقال إنه فنى عن شهواته ، فإذا فنى عن شهواته بقي بنيته وإخلاصه في عبوديته . وإذا زاهد في دنياه يقال إنه فنى عن رغبته . فإذا فنى عن رغبته فيها : بقي بصدق إنابته . ومن عالج أخلاقه فنفى عن قلبه الحسد ، والحقد ، البخل ، والشح ، والغضب ، والكبر ، وأمثال ذلك من رعونات النفس .
ويقال : فنى عن سؤال الخلق . فإذا فنى عن سؤال الخلق بقي بالفتوة والصدق .
ومن شاهد جريان القدرة في تصاريف الأحكام يقال : فنى عن حسبان الحدثان من الخلق : فإذا فنى عن توهم الآثار من الأغيار بقي بصفات