تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ردع الفقرا عن دعوى الولاية الكبرى — صفحة 273

مساهمون:

ص٢٧٣
فتأمل أدبه فأين أنت منه وأنت تكاد تضيق عليك الدنيا بما رحبت إذا لم يعظمك الناس ولا يعتقدوا . فاعلم ذلك ولا تغش نفسك فإن الإنسان على نفسه بصيرة واللّه يتولى هداك . وقال : كن مع إخوانك كما هم في جميع أحوالهم ولا تتميز عنهم بشئ إلا أن تكون مغلوبا فيه فإن مزحوا فامزح ( * )
شرح
فالتواضع هو كل خلق محمود يكون عند أمر اللّه امتثالا ، وعند نهيه اجتنابا ، فإن النفس لطلب الراحة تتلكأ في أمره فيبدو منها نوع إباء وشراد هربا من العبودية وتثبت عند نهيه طلبا للظفر بما منع منه ، فإذا وضع العبد نفسه لأمر اللّه ونهيه فقد تواضع للعبودية . كما يكون التواضع لعظمة الرب وجلاله وخضوعه لعزته وكبريائه فكلما شمخت نفسه ذكر عظمة الرب سبحانه وتعالى وتفرده بذلك وغضبه الشديد على من نازعه على ذلك فتواضعت إليه نفسه وانكسر لعظمة اللّه قلبه واطمأن لهيبته وأخبت لسلطانه . فهذا غاية التواضع وهو يستلزم الأول من غير عكس . والتواضع حقيقة من رزق الأمرين واللّه المستعان . ( ابن قيم الجوزية : الروح ، ص : 232 ) .

( * ) المزاح :

يقول صاحب : « أدب الدنيا والدين » : اعلم أن للمزاح إزاحة عن الحقوق ومخرجا إلى القطيعة والعقوق يصم المازح ويؤذى الممازح ، فوصمة المازح أن يذهب عنه الهيبة والبهاء ويجرى عليه الغوغاء والسفهاء وأما أذية الممازح فلأنه معقوق بقول كريه وفعل ممضن إن أمسك عنه أحزن قلبه وإن قابل عليه جانب أدبه . فحق العاقل أن يتقيه وينزه نفسه عن وصمة مساويه .