تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ردع الفقرا عن دعوى الولاية الكبرى — صفحة 272

مساهمون:

ص٢٧٢
شرح
- والتواضع في أسمى مظاهره كما صورناه من قبل هو أن تخضع للحق ، وتنقادله ، وتقبل الحق من كل من تسمعه منه . ولا شك أن هذا تفسير جميل للتواضع يتناسق في انسجام مع خلق الصدق حسبما نرى . وعلى غرار ما تقدم نستطيع أن نقول : إن التواضع يرتبط بالصدق ، فمن كان متواضعا كان صادقا ، ومن كان صادقا كان متواضعا . ومن هنا فالتواضع يثمر صدقا فيصبح خلقا من أخلاقه . وينبغي أن تعلم أن من يتواضع تكلفا فهو ثقيل على نفسه وهو عاطل عن خلق التواضع بل الخلق عبارة عن هيئة للنفس يصدر عنها الفعل بسهولة من غير روية وتكلف . لكن التكلف هو طريق تحصيل الخلق فإنه لا يزال يتكلف أولا حتى يصير ذلك طبعا وعادة . فلا تنظر إلى الفعل بل إلى الهيئة الراسخة التي تصدر منها الأفعال بيسر من غير تكلف . ( الغزالي : الأربعين في أصول الدين ، ص : 191 ) . وتتمثل حقيقة التواضع من النظر لنقص النفس وعيوبها . وقد قيل : لا يبلغ العبد حقيقة التواضع إلا عند لمعان نور المشاهدة في قلبه فعند ذلك تذوب النفس وعند ذوبانها صفاؤها عن غشى الكبر والعجب . ( ابن عطاء اللّه : الحكم ، بشرح عبد اللّه الشرقاوي ، ص : 118 - 119 ) . ويقول ابن عطاء اللّه متحدثا عن حقيقة التواضع : تواضع وانكسر . وحط أشرف ما عندك - وهو رأسك - في أخفض ما يكون - وهي الأرض - لتحوز مقام القرب . كما ورد في الحديث : « أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد » . لأن قرب العبد بتواضعه وانكساره وخروجه عن أوصاف بشريته .