شرح
ومن شأن ذلك العارف المتحقق أيضا أن تصير الشريعة عنده هي عين الحقيقة ، والحقيقة عنده هي عين الشريعة ، ومن ثم يصير علمه كله باللّه وللّه .
( ابن عجيبة : إيقاظ الهمم ، مصدر سابق ، ص : 48 ) .
ومن علامات المعرفة أن يرى العبد نفسه في قبضة العزة ، وتجرى عليه تصاريف القدرة ، ومن علامات المعرفة المحبة لأن من عرفه أحبه .
فالمعنى العرفاني للفناء يعنى : أن ترى الخلق بعين الفناء فيسقط عنك رؤيتهم والتزين لهم ، فهذا من جليل مقامهم . ويصبح المنهج العرفاني هو المنهج القائم على المعرفة الذوقية في الوحدة الشهودية بما أجمله صاحب الحلية لأبى الحسين النوري . فقد قال : « أعلى مقامات أهل الحقائق انقطاعهم عن الخلائق ، وسبيل المحبين التلذذ بمحبوبهم ، وسبيل الراجين التأمل بمأمولهم ، وسبيل الفانيين الفناء في محبوبهم ومأمولهم ، وسبيل الباقيين البقاء ببقائه » .
وقد قيل : من عرف الدنيا زهد فيها ، ومن عرف الآخرة رغب فيها ، ومن عرف اللّه آثر رضاه . وحقيقة المعرفة المحبة له بالقلب ، والذكر له باللسان ، وقطع الهمة عن كل شئ سواه .
قال تعالى :وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ« سورة الذاريات : الآية : 67 » .
قال ابن عباس في تفسيره :« إِلَّا لِيَعْبُدُونِ »: إلا ليعرفون .
فمعرفة اللّه سبحانه وتعالى نور تشرق به القلوب وهي إنما تحصل لمن توجه إلى اللّه بكليته وانقطع بهمته وعكف عليه بقلبه ، فمن اشتغل بالأكوان وتوغل فيها أظلم قلبه لأنها قاطعة له عن نور المعرفة وحائلة بينه وبين -