تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ردع الفقرا عن دعوى الولاية الكبرى — صفحة 171

مساهمون:

ص١٧١
شرح
- والعارفون باللّه تعالى - حسبما يرى ذو النون المصري - فانون عن أنفسهم لا قوام لهم بذواتهم ، وإنما قوامهم من حيث ذواتهم باللّه . ويتضح من هذا القول أن العارفين باللّه لا يتحركون ، ولا يسكنون ، ولا ينطقون ، ولا يبصرون إلا عن اللّه ، وباللّه ، ومع اللّه . لأن قمة المعرفة عندهم التوحيد والعرفان . فإن قلوب العارفين شاهدت اللّه مشاهدة تثبيت فشاهدوه في كل شئ ، وشاهدوا كل الكائنات به ، فكانت مشاهدتهم له به ولهم به ، فكانوا غائبين حاضرين ، وحاضرين غائبين ، على انفراد الحق بالغيبة والحضور ، فشاهدوه ظاهرا وباطنا ، وباطنا وظاهرا ، وآخرا وأولا . وقد قال بعض العارفين : « أبى المحققون أن يشهدوا غير اللّه لما حققهم به من شهود القيومية وإحاطة الديمومية » . ويؤيد ذلك قول الخراز لأصحاب الفراسة من العارفين : « للعارفين قرائن أودعوها علوما غريبة ، وأنباء عجيبة ، يتكلمون بها بلسان الأحدية ، ويخبرون عنها بعبارة الأزلية . ويقول ابن عطاء اللّه السكندرى : « من عرف الحق شهده في كل شئ ، ومن فنى به غاب عن كل شئ ، ومن أحبه لم يؤثر عليه شيئا » . وتحليل هذا النص يوضح : من عرف الحق : أي من تحقق في مقام المعرفة باللّه تعالى . وفي قوله : شهده في كل شئ : أي رآه ظاهرا في أعيان الموجودات ، فلا يستوحش من شئ ، يأنس به في كل شئ ، لأن العارف إذا كان في مقام البقاء يرى الخلق ، ويرى الحق ظاهرا في كل الأشياء ، وقائما بها ، مع عدم غيبته عن نفسه وحسه .