شرح
- وفي قوله : ومن فنى به : أي من تحقق في مقام الفناء ، غاب عن كل شئ ، فلا يرى في الوجود ظاهرا إلا اللّه تعالى ، ويغيب عن كل شئ سواه جلّ وعلا ، حتى عن نفسه وحسه ، فلا يشاهد لنفسه وجودا أو تحققا فلا يكون منه على الأشياء اعتماد ، ولا له إليها استناد .
وفي قوله : ومن أحبه : أي من أحب اللّه تعالى لم يؤثر عليه شيئا : لم يقدم عليه شيئا من مراداته ، وشهواته ، فضلا عن غيرهما من الخلق ، لأن حقيقة المحبة أخذ جمال المحبوب حتى لا يدعه لغيره في حال من الأحوال .
ويعود ابن عطاء اللّه فيقول : « إلهي كيف يستدل عليك بما هو في وجوده مفتقر إليك ، أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتى يكون هو المظهر لك ، متى غبت حتى تحتاج إلى دليل يدل عليك ، ومتى بعدت حتى تكون الآثار هي التي توصل إليك » .
والعارفون باللّه كما يصفهم ابن عجيبة : « يشهدون ما من اللّه إلى اللّه ، يعنى أنهم غائبون عن أنفسهم لا يرون إلا تصريفا في مظاهر أنواره .
فالعارف لا يعرف إلا وجودا واحدا هو اللّه تعالى على نحو ما نراه في جانب وحدة الشهود عند ابن الفارض . حيث أوضح أن المعرفة ذوقية كشفية وليست عقلية نقلية .
والعارف هو من استطاع التحقق بالجمع بين الشريعة والحقيقة فوصل عن طريق ذلك إلى المعرفة باللّه التي تتجلى للسالك في أعلى مراتب الطريق .
ومن سمات العارف الواصل أن يكون جامعا بين طاعة اللّه في جوارحه عن طريق الالتزام برسوم الشريعة ، والغنى باللّه في باطنه بتخلية قلبه عما سواه .
( ابن عجيبة . إيقاظ الهمم في شرح الحكم ، ص : 105 ) .