شرح
- وقد اختار يوسف عليه السلام السجن ، لأن فيه لذة الخلوة مع اللّه تعالى ، وحلاوة المشاهدة والمناجاة .
ومن الأمور الجديرة بالذكر أن الخلوة مع اللّه تعالى تكون في حالة الظهور مع الخلق ومعاملتهم .
ونسترشد هنا برأي الجنيد البغدادي إذ يقول : « لي ثلاثون سنة أخاطب اللّه والناس يرون أنى أخاطبهم » .
( المحاسبي : المسائل في أعمال القلوب والجوارح ، تحقيق مصطفى عبد القادر عطا . القاهرة : دار التراث الإسلامي ، سنة 1406 ه / 1986 م ، هامش ص : 87 ) .
وفي عبارة أخرى لما قيل له : بم نلت ما نلت ؟ فقال : بجلوسى تحت تلك الدرجة ثلاثين سنة وأومأ إلى درجة في بيته .
ويلزم الخلوة الصمت والجوع والسهر ، بذلك فهي تشتمل أيضا على العزلة التي نبه عليها ابن عطاء اللّه بقوله : « ما نفع القلب مثل عزلة يدخل بها ميدان الفكرة » . فالعزلة تحفظ الإنسان من المعاصي الناتجة عن اختلاطه بالناس ، والتعرض للخصومات والفتن وما ينكبون عليه من الشواغل الدنيوية ، من هنا ينبغي أن نفرق بين العزلة والخلوة ، فالعزلة تختلف عن الخلوة في كونها انقطاع معنوي لا حقيقي عن الخلق . فالمعتزل يساكن الناس ويعاملهم بشرط أن يحفظ قلبه من النظر إليهم والإقبال عليهم ، فلا يجعل قلبه ولا أذنه وعاء لما يأتون به من فضول الكلام ، بل يحتفظ بقلبه وجوارحه .
( ابن عطاء اللّه : مفتاح الفلاح ومصباح الأرواح . القاهرة : دار إحياء الكتب العربية ، بدون تاريخ ، ص : 52 ) .