شرح
- وعرف مقاديرهم بذكر النطقة ، أشهدهم على عجزهم في تقلبهم ، ليعرفوا فاقتهم إليه في كل حال .
وهكذا يتحول معنى الفقر إلى العبودية الكاملة التي تعنى عند الجنيد سوى العود إلى الشعور بحال مشابه لما كان عليه أثناء أخذ الميثاق ، وهي الحال التي يحلو له دائما أن يفسر على ضوئها فكرة : « الفناء » ، وهي أحد مفاتيح مذهب إن لم تكن المفتاح الأول .
والجنيد على أي حال يشير إلى الحقيقة اللازمة في قوله تعالى :يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ« سورة فاطر : الآية : 15 » .
ومقام الفقر عند الصوفية شعار الأولياء ، لأن الغنى أو الملك قد يكونان حجابا يحول بين المريد وبين اشتغاله باللّه ، وليس الفقر عند الصوفية أن لا يملك المريد شيئا وإنما الفقر ألا يملكه شئ ، فيعيش الصوفي في غنى وهو في فقر ، حيث لا يطلب بظاهره ولا بباطنه من أحد شيئا ، ولا يشكو ولا يظهر أثر الفاقة ، وإنما يظهر الغنى في غير تصنع . ( الطوسي :
اللمع ، ص : 57 ) .
ومن استغاثات ابن عطاء اللّه السكندرى رضى اللّه تعالى عنه التي يؤكد فيها مذهبه الشاذلي السنى في أن الاعتداد بالفقر ذنب رغم توسله بالفقر إلى اللّه ، وأن المحاسن لا تظهر إلا بفضل اللّه ، والمساوئ لا تظهر إلا بعدل اللّه .
« إلهي أنا الفقير في غناي ، فكيف لا أكون فقيرا في فقرى » .
ها أنا أتوسل إليك بفقرى إليك ، وكيف أتوسل إليك بما هو محال أن يصل إليك ؟ -