شرح
- ومعنى ترك التعرض والاختيار : عدم الوقوف في طريق الإرادة الإلهية ، وعدم نسبة الاختيار إلى الإنسان .
ومن هنا تساوى عند الفقراء الصادقين الذهب والتراب في عدم ميل القلب إليه من غير ترجيح الذهب عليه ، لأنهم لا ملك لهم مع اللّه تعالى .
فهم يأكلون ويلبسون من مال سيدهم ويسكنون في ملكه في الدارين .
والفقر هو الانشغال باللّه تعالى ، لا بغيره ، فالانشغال باللّه والركون إليه لم يزل ولم يتغير ، وهذا هو فقر العارفين باللّه تعالى ، فإنهم يشعرون رغم ما يملكون من مال وجاه أنهم مفتقرون إلى اللّه سبحانه وتعالى على الدوام . ولقد سئل الجنيد عن الفقير الصادق ؟ فأجاب : هو أن لا يستغنى بشئ ، ويستغنى به كل شئ .
كما يفسر زوال الفقر عند المشاهدة إذ يقول : « إنهم استغنوا بما كان بدا ، فخرجوا عن الفاقة » . ( محمد مصطفى : المقامات والأحوال ، ص : 86 ) .
ويفسر كذلك صورة الفقير الراضي في قمة العزة إذا قورن بغيره ، فقد سئل : من أعز الناس ؟ فقال : الفقير الراضي ، لأن الغنى باللّه هو قمة العزة به ، مع كون القمة الفقر إليه . والفقر الكامل هو الغنى التام باللّه .
لذلك يقول الإمام الجنيد : « النفس التي أعزها اللّه بحقيقة الفناء تزول عنها موافقات الفاقات » .
وفوق ذلك ما ساقه عندما يعرض لوصف بلاء أهل الفناء ، حيث قال :
« أقام لها عطشها إليه من كل مأتم مأتما ، ورفع لها في كل كسوة علما ، يذيقها طعم الفقر ، ويجدد عليها رؤية احتمال الجهد ، أي الشعور الدائم في كل الأحوال بالفقر إلى اللّه .
ويقول أيضا : « إن اللّه كشف لعباده معايبهم في ذكر الطين لهم ، -