شرح
- كما قيل الفقير الصادق من أثر وقته ، فإن كان فيه تطلع إلى وقت ثان لم يستحق اسم الفقر . وهو الذي يأنس بالعدم كما يأنس الجاهل بالغنى ، ويستوحش من الغنى كما يستوحش الجاهل من الفقر ، وهو الذي يأخذ الشئ من جهته ويختار القليل على الكثير عند الحاجة .
ومن هنا كان للفقراء أخلاق اختصوا بها تتمثل في السكون عند الفقر ، والاضطراب عند الوجود ، والأنس بالهموم ، والوحشة عند الأفراح ، فحب الفقر شديد لا يصبر عليه إلا صديق .
لذلك قيل : من طلب الفقر استقبله الغنى ، ومن طلب الغنى استقبله الفقر ، والغنى هو الغنى باللّه . ( ابن عجيبة : إيقاظ الهمم في شرح الحكم ، ص 310 ) .
ولقد قيل في توضيح خفايا الفقر لدقته وغموضه على أغلب الأذهان :
لابد أن يخرج الفقير عن فقره بانتفاء شهود فقره ، فاعتقاده في نفسه أنه فقير يخرجه عن شهود الفقر ، والفقير ليس وحشى الطباع ، فلابد أن يصفو قلبه لكل إنسان ويسلم صدره من كل دنس ، وتسمح نفسه بالبذل والإيثار .
( المحاسبي : الوصايا ، هامش ص : 58 - 59 ) .
وسئل رويم عن الفقر فقال : إرسال النفس في أحكام اللّه تعالى .
وكان أبو مدين المغربي يقول : حقيقة الفقر أن لا تشاهد سواه .
( الشعراني : الطبقات الكبرى ، ج 1 ، ص : 134 ) .
والفقير حسبما يرى الإمام الجنيد هو الذي لا يسأل أحدا ولا يعارض وإن عورض سكت .