من سلك إلى اللّه بالفكر لم يبرح من الكون فما عنده غيره . وقال في باب الأسرار : حقيق على الخلق أن لا يعبد كل واحد منهم ماهية الحق لجهلهم بها وإنما يعبدون ما يعتقدونه من صفات الحق دليلي في ذلك اللّه أكبر حتى عند تحوله يوم القيامة في الصور . وقال فيه أيضا : إذا لمح القلب شهود الحق تعالى فالحق حينئذ ضيف نازل يتعين القيام بواجب حقه لكن إكرامه على قدر مقام ذلك القلب لا على قدر النازل وعند العوام أن الكرامة تكون على قدر النازل لا المنزول عليه فلا يحجبنك حديث أنزلوا الناس منازلهم لأنا لو عاملنا الحق تعالى بهذه المعاملة لم يصح بيننا وبينه قط مواصلة ( فإن قلت ) فإذن عظمة الحق تعالى إنما هي راجعة لما يقوم في قلب العبد من شدة التعظيم أو قلته وليست راجعة لذات الحق في نفسها لإدراك العبد الزيادة والنقص في علمه باللّه تعالى ( فالجواب ) هو كما تقول . فقد قال الشيخ في الباب الثاني والسبعين من « الفتوحات » اعلم أن العظمة الإلهية ليست راجعة لذات الحق تعالى وإنما هي راجعة إلى مقام العبد ومشاهدته إذ لو كانت العظمة صفة للذات الإلهية لكانت الذات مركبة من صفة ذاتية أو معنوية ومعلوم أن قيام صفات المعاني بذاته تعالى محال كما يستحيل أن تكون العظمة صفة نفسه وذلك من أجل ما ورد من إنكار بعض الخلق بعض التجليات في الآخرة مع كونه هو هو وإذا بطل الوجهان فلم يبق إلا أن تكون العظمة صفة للعبد ولذلك إذا خرج ملك متنكرا في غير هيئته المعروفة ومشى في شوارع مدينته لا يقوم له تعظيم في قلب أحد ولو أن العظمة كانت صفة له لعظمه كل من يراه في حال تنكره انتهى . وقال في هذا الباب أيضا :
احذر أن تقول إن الحق تعالى متصف بصفات خلقه كما تعطيه أخبار الصفات فإن ذلك سوء أدب فما في صفات خلقه من النقص من حيث الحدوث وإنما الأدب أن تضيف إليه تلك الصفات وتؤمن بها من غير تكييف ومن أولها أوردها فقد أخطأ طريق الصواب فإن في التأويل فوات كمال مقام الإيمان لا فوات أصل الإيمان إذ لولا اعتقاد المؤول صحة تلك الصفة في جانب الحق لما اشتغل بتأويلها انتهى .
وقد سمعت سيدي عليا الخواص رحمه اللّه يقول : إياك أن تؤول أخبار الصفات فإن في ذلك دسيسة من الشيطان ليفوت المؤمن الإيمان بعين ما أنزل اللّه قال تعالى :
آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ
[ البقرة : 285 ] وهذا المؤول ما آمن حقيقة إلا بما أوله بعقله ففاته
شرح
يضرك استدبارها في غير جهة وجهك إذا صليت داخلها فإن الشارع لم يتعرض للاستدبار إنما تعرض للاستقبال فقط فإنا إنما نحن مع الحق على حكم ما نطق فلا يقتضي الأمر بالشيء النهي عن ضده في كل المواضع فإذا لم تعمل بما أمرك به فقد عصيت أمره ، ولو كان الآمر بالشيء منهيا عن ضده لكان على الإنسان خطيئتان أو خطايا كثيرة بقدر ما لذلك المأمور من الأضداد وهذا لا قائل به فلا يؤاخذ الإنسان إلا بترك ما أمره به الحق لا غير فهو وزر واحد وسيئة واحدة فلا يجزى إلا مثلها انتهى . وهو كلام نفيس في نفسه وإن رجح جماعة من أهل الأصول خلافه فليتأمل ويحرر واللّه أعلم .