وأما كلام محققي الصوفية من أهل الكشف فتجلى عليك مقالاتهم فيها حتى يزول عنك اللبس إن شاء اللّه تعالى وتعرف أن القوم أبعد الناس عن القول بالجسمية لشدة معرفتهم باللّه تعالى لا سيما الشيخ محيي الدين رحمه اللّه إذا علمت ذلك فأقول : اعلم أن الخلق ما خبطوا خبط عشواء في آيات الصفات وكثرة اختلافهم فيها إلا من ذهولهم حال الاختلاف عن شهودهم أن حقيقته تعالى مخالفة لسائر الحقائق وإلا فلو شهدوا ذلك لم يقفوا في شيء من آيات الصفات وأخبارها ولم يحتج أحد منهم إلى تأويل ولم يخف قط من لحوق نقص في الجناب الإلهي كالقول بالجهة والتجسيم مثلا . وأيضا ذلك أن تنظر يا أخي إلى صفات الخلق كلها وتنزه الحق تعالى عنها من حيث الكيف فتقول مثلا من شأن الخلق الجهل من ذواتهم فليس الحق تعالى بجاهل بل هو عالم بكل شيء ومن شأن الخلق العجز فليس الحق تعالى بعاجز عن إنفاذ وقوع شيء مما أراده بل هو قادر ومن شأن الخلق الجهة فالحق تعالى لا جهة له ومن شأن الخلق الجسمية فالحق تعالى ليس بجسم وهكذا فلا يصح في جانب الحق تعالى لحوق تشبيه بخلقه أبدا لا في شخص ولا في نوع ولا في جنس كما سيأتي إيضاحه في نقول العارفين وقد ذكر الشيخ محيي الدين في الباب الرابع والعشرين وثلاثمائة ما نصه : اعلم أنه لا يجوز لأحد طلب معرفة ماهية الحق تعالى بلفظة ما ، كما وقع فيه فرعون فأخطأ في السؤال ولهذا عدل موسى عن جواب سؤاله على المطابقة لأن السؤال إذا كان خطأ لا يلزم الجواب عنه وكان المجلس مجلس عامة فلذلك تكلم موسى بما تكلم به ورأى فرعون أنه ما أجابه على حد سؤاله لتخيله أن سؤاله متوجه وما علم فرعون أن ذات الحق تعالى لا تدخل تحت مطلب ما وإنما تدخل تحت مطلب هل وهو سؤال عن وجود المسؤول عنه هل هو متحقق أم لا ولما علم فرعون ما وقع منه من الجهل قال إشغالا للحاضرين لئلا يتفطنوا لذلك إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون تنفيرا لهم عن الإصغاء لمقالة موسى خوفا أن يتبعوه . وقال في الباب الأول من « الفتوحات » : اعلم أن الحق منزه عن أن يحيط به خلق أو يعرفه أحد لا يحسب ما وقع به التجلي له لا غير ألا ترى أنه يتجلى يوم القيامة لقوم في غير العلامة التي يعرفونها فيقول أنا ربكم فينكرون ربوبيته ومنها يتعوذون وبها يتعوذون ولكن لا يشعرون ويقولون لذلك التجلي نعوذ باللّه منك وها نحن لربنا منتظرون فحينئذ يتجلى لهم في العلامة التي لربهم فيقرون له
شرح
السابق في الحلبة والسابق هنا التوحيد ، والمصلي الصلاة ويشهد لهذا الترتيب حديث : « بني الإسلام على خمس : شهادة أن لا إله إلّا اللّه وأن محمدا رسول اللّه ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وصوم رمضان ، وحج البيت » ، ولما علم الصحابة ما يدخل الواو من الاحتمال وأن الشارع راعى الترتيب أنكروا على من روى والحج وصوم رمضان وقالوا له : قل صوم رمضان والحج إشارة إلى أن الشارع أراد الترتيب في القواعد والصلاة ثانية في القواعد قال : وإنما جعل الزكاة تلي الصلاة لأن الزكاة تطهر قال تعالى :قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها( 9 ) [ الشمس : 9 ] أي طهرها بالطاعات يعني النفس قال : ولما كانت الصلاة المشروعة من شرطها الطهارة جعلت الزكاة إلى