يقولون إلهنا آمنا ولا علمنا ولا شهدنا وقد علمت من جميع ما قررناه في هذا المبحث أن طريق المعرفة باللّه عند القوم إنما هو الكشف لا الظن المبني على الفكر وتأمل قوله تعالى :
وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ
[ آل عمران : 30 ] كأنه تعالى يقول ما حذرناكم من النظر في ذات اللّه إلا رحمة بكم وشفقة عليكم لما نعلم ما تعطيه القوة المفكرة للعقل من نفي ما أثبته على ألسنة رسلي من صفاتي فتردونها بأدلتكم العقلية فتحرمون الإيمان بها فتشقون شقاء الأبد ولذا اختلفت مقالات أهل النظر في اللّه وتكلم كل بما اقتضاه نظره فنفى واحد عين ما أثبته الآخر وما اجتمعوا على أمر واحد في اللّه من حيث النظر في ذاته وعصوا رسوله بما تكلموا به مما نهاهم اللّه عنه نهي شفقة ورحمة بهم فرغبوا عن رحمة اللّه وضل سعيهم فاثبت يا أخي على اعتقاد كل ما جاءتك به الشريعة تسلم فهمته أو لم تفهمه فإنه تعالى أعلم بنفسه وأصدق في قوله واللّه تعالى أعلم .
المبحث الرابع : في وجوب اعتقاد أن حقيقته تعالى مخالفة لسائر الحقائق وأنها ليست معلومة في الدنيا لأحد
وقال كثير من المتكلمين إنها معلومة للناس في الدنيا لأن الخلق مكلفون بالعلم بوحدانيته وذلك متوقف على العلم بحقيقته قال الجلال المحلي وغيره . وأجيب بمنع التوقف على العلم به في الحقيقة وإنما يتوقف على العلم به بوجه وهو أنه تعالى يعلم بصفاته كما أجاب به موسى عليه الصلاة والسلام فرعون حين قال لموسى وما رب العالمين إلى آخره ثم اختلفوا هل يمكن علمها في الآخرة فقال بعضهم نعم لحصول الرؤية فيها . وقال بعضهم لا والرؤية لا تفيد الحقيقة ولم يرجح ابن السبكي ولا الجلال المحلي شيئا في هذه المسألة والتي قبلها .
وقال شيخ الإسلام سراج الدين البلقيني : الصحيح أنه لا سبيل للعقول إلى علمها . قال الشيخ كمال الدين بن أبي شريف ثم لا يخفى أن قولهم ليست معلومة الآن يعني في الدنيا إنما هو كلام في الوقوع وقولهم واختلفوا هل يمكن علمها في الآخرة كلام في الجواز العقلي انتهى هذا ما رأيته في هذه المسألة من كلام محققي المتكلمين .
شرح
جعل له التطهير بالتراب وقد خلقه اللّه من تراب فأمره بالتطهر بذاته تشريفا له ولذلك أبقى النص على التطهير بالتراب دون غيره مما له اسم الأرض فإن كل شيء فارق الأرض لا يتطهر به إلا إن كان ترابا بخلاف التراب يتطهر به لو فارق الأرض فإن اللّه أبقى اسم الأرض عليه مع المفارقة بخلاف الزرنيخ والرخام والمعدن ونحو ذلك وأيضا فإن اللّه ما قال : إنه خلق الإنسان من حجر ولا زرنيخ وإنما قال : خلقه من تراب واللّه أعلم .