انتقل إلى آخر فسلك على يديه مقدار عقدة فقد أوقف نفسه عن السير ولو أنه جعل سلوك تلك العقد كلها على يد شيخ واحد لكان دخل حضرة الكف فإن كل أصبع ثلاث عقد فنفذ عمر هذا وهو في أول عقدة من سائر الطرق فهذا سبب منع الأشياخ مريدهم أن يشرك معهم في السلوك غيرهم انتهى .
ثم اعلم أن المعرفة عند أئمة الأصول هي العلم باللّه تعالى وصفاته الذاتية والمعنوية فهذا هو المطلوب من معرفة الصانع جل وعلا إذ الذات مجهولة من حيث الإحاطة بها ( فإن قيل ) فما الحق المطلق والصدق المحض . فالجواب أن الحق المطلق هو اللّه والصدق المحض هو معرفته تعالى والإقرار بوحدانيته . فإن قيل : فما الدليل على كون معرفته الحق تعالى واجبة ؟
( فالجواب ) أن دليل ذلك كون المعرفة من الأمور التي تصل العقول إليها فإن الإنسان إذا دهاه أمر وضاقت به المسالك فلا بد أن يستند إلى إله يتأله إليه ويتضرع نحوه ويلجأ إليه في كشف بلواه ويسمو قلبه صعودا إلى السماء ويشخص ناظره إليها من حيث كونها قبلة دعاء الخلائق أجمعين فيستغيث بخالقه وبارئه طبعا أو جبلة لا تكلفا وحيلة ومثل ذلك قد يوجد في الوحوش والبهائم أيضا فإنها ظاهرة الخوف والرجاء رافعة رؤوسها إلى السماء عند فقدان الكلأ والماء وإحساسها بالهلاك والفناء . وكذلك شاهدنا الأطفال عند البلوى يرفعون مسبحتهم نحو السماء هذا كله مركوز في جبلة الحيوانات فضلا عن الإنسان العاقل وهي الفطرة المذكورة في القرآن والحديث ولكن أكثر الناس قد ذهلوا عن ذلك في حالة السراء وإنما يردون إليه في الضراء قال تعالى :
وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ
[ الإسراء : 67 ] ( وحكي ) أن رجلا أنكر الصانع عند جعفر الصادق ففتح له باب الاستدلال فلم يصغ إليه فقال هل ركبت السفينة قط ؟
قال نعم انكسرت بنامرة فطلعت على لوح إلى الساحل فانفلت مني اللوح حين طلعت إلى الساحل فقال له جعفر : لما ذهب عنك اللوح كنت ترجو السلامة ممن حين ذهب اعتمادك على الأسباب فسكت الرجل فقال له جعفر : الذي رجوع السلامة منه هو اللّه الذي خلقك فأسلم الرجل ( فإن قيل ) قوله صلى اللّه عليه وسلم عليكم بدين العجائز فيه نهي عن الاستدلال العقلي أم لا ؟
( فالجواب ) ليس في ذلك نهي عن الاستدلال العقلي وإنما هو تنبيه على استصحاب تلك الحالة التي غفل عنها أصحاب السلامة من الأحداث والشبان . ونقل الشيخ أبو طاهر القزويني أنه رأى
شرح
غريب يقدح في الشرع وجب على الإنسان أن يجرد النظر في ذلك بالعقل دون الاستدلال بالشرع كالبرهمي الذي ينكر الشريعة فإنه لا يقبل الدليل الشرعي على إبطال هذا القول الذي انتحله فإن الشرع هو محل النزاع بيننا وبينه وهو لا يثبته فليس له دواء إلا النظر العقلي فنداويه بقولنا : انظر بعقلك في المسألة . وقال فيه الذي أقول به وجوب الوضوء من أكل لحوم الإبل لكن تعبدا وهو عبادة مستقلة مع كونه لم ينقض طهارة الآكل له فتصح صلاته بالوضوء المتقدم على الأكل وهو عالم أنه لم يتوضأ من لحوم الإبل وقال هذا القول ما أعلم أن أحدا قاله قبلي قال : وإن نوى في هذا الوضوء رفع المانع فهو أحوط قال : ودليل من قال : إن أكل لحوم