لا تجده في كتاب واللّه سبحانه وتعالى أعلم والحمد للّه رب العالمين .
المبحث الثاني : في حدوث العالم
اعلم أن مسألة حدوث العالم من معضلات المسائل لقوة شبهة الخلاف فيها بين أهل السنة والفلاسفة وقد انعقد الإجماع من سائر الملل على حدوثه كما سيأتي إيضاحه إن شاء اللّه تعالى ولنبدأ بنقول محققي المتكلمين في هذه المسألة ثم بنقول محققي الصوفية رضي اللّه تعالى عنهم فأقول وباللّه التوفيق : قال الجلال المحلي محقق أهل الأصول إنما كان العالم محدثا لأنه يعرض له التغير والاستحالة وكل متغير محدث ولا بد للمحدث بفتح الدال من محدث بكسرها ولا بد أن يكون واحدا ضرورة . قال شيخ الإسلام الشيخ كمال الدين بن أبي شريف ومعنى قول الجلال المحلي في علة المحدث إنه يعرض له التغير أي على الوجه الذي يشاهد فإنا نشاهد تغير الحركة بطريان السكون وتغير الظلمة بطريان النور وبالعكس وليس مراده أن مستند كل تغير المشاهدة فإن كثيرا من أجزاء العالم لا نشاهده كما في باطن الأرضين وما في السماوات فالحكم بالتغير فيه مستند إلى دليل العقل . قال : وتمام التقرير ليلة الحدوث المذكور أن يقال : العالم أعيان وأعراض فالأعراض يدرك تغير بعضها بالمشاهدة في نفس الأمر كانقلاب النطفة علقة ثم مضغة ثم لحما ودما وفي الآفاق كالحركة بعد السكون والضوء بعد الظلمة وسائر ما يشاهد من أحوال الأفلاك والعناصر والحيوان والنبات والمعادن ، وبعضها بالدليل وهو طريان العدم فإن العدم ينافي القدم وأما الأعيان فإنها لا تخلو عن الحوادث وكل ما لا يخلو عن الحوادث فقدمه محال انتهى . ( وأما كلام أهل الطريق ) فمن أكثرهم في هذه المسألة إطنابا سيدي الشيخ محيي الدين بن العربي رضي اللّه تعالى عنه وها أنا أجلي عليك عرائس كلامه رضي اللّه تعالى عنه . فقال في أول خطبة « الفتوحات » : الحمد للّه الذي خلق الوجود من عدم وأعدمه . انتهى . أي لأن عدم العدم وجود لأنه موجود في العلم الإلهي ومعلوم العلم قديم من هذه الحيثية وأما من حيث ظهوره للخلق فهو حادث بإجماع . فمن قال إنه قديم مطلقا أخطأ أو حادث مطلقا أخطأ وسيأتي بسط ذلك في المبحث الثاني عشر إن شاء اللّه تعالى نظما ونثرا عن الشيخ رحمه اللّه . ( فإن قيل ) فما شبهة من قال بقدم العالم من
شرح
بالنية وهنالك القصد للصعيد الطيب والعمل به تبع فيحتاج إلى نية أخرى عن الشروع في الفعل كما يفتقر العمل بالماء في الوضوء والغسل وجميع الأعمال المشروعة إلى الإخلاص المأمور به وهو النية وأطال في ذلك وقد تقدم ما له تعلق بالنية أيضا في الباب الثالث والثلاثين فراجعه فيه وقال فيه أجمع أهل العلم في كل ملة ونحلة على أن الزهد في الدنيا وترك جميع حطامها والخروج عما بيده منها أولى عند كل عاقل ، وأما المال الذي فيه شبهة تقدح فيه فليس له إمساكه وهذا هو الورع ما هو الزهد وأطال في ذلك . وقال فيه : إنما كان الاستجمار بثلاثة أحجار فما فوقها من الأوتار لأن الجمرة هي الجماعة والوتر هو اللّه فلا يزال الوتر الذي هو