وثلاثمائة : أنه ليس في الجن من يجهل الحق تعالى ولا من يشرك به فهم ملحقون بالكفار لا بالمشركين وإن كانوا هم الذين يوسوسون بالشرك للناس ولذلك قال تعالى :
كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ
( 16 ) [ الحشر : 16 ] فليتأمل ( فإن قيل ) فإذا كان مذهب الأشعرية لا بد فيه من إضافة العقل للعبد فكيف يصح التوحيد الخالص للّه تعالى : ( فالجواب ) ما قاله الشيخ في الباب الثامن والتسعين ومائة : وهو أنه يجب على الإنسان أن ينزه ربه عن الشريك لا عن الشركة في العقل والملك لأجل صحة التكليف فإن للعبد في الفعل والملك شركة لكن من خلف حجاب الأسباب كالنجار تضاف إليه الصنعة وهو لم يعمل التابوت بيده فقط وإنما فعله بآلات متعددة من حديد وخشب فهذه أسباب النجارة ولم يضف عمل التابوت إلى شيء منها انتهى . ( فإن قيل ) فما الفرق بين من يقول بالأسباب وبين من قال عن الأوثان
ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى
[ الزمر : 3 ] وهلا كان يكفر من وقف مع الأسباب كما يكفر من عبد الأوثان . ( فالجواب ) ما قاله الشيخ في الباب الثاني والسبعين في الكلام على الحج : اعلم أن عباد الأوثان قد اجتمعوا معنا في كوننا ما عبدنا الذات لكونها ذاتا بل لكونها إلها وإنما خالفونا في الاسم فإنا وضعنا الاسم على حقيقة مسماه ونسبنا ما ينبغي لمن ينبغي فهو اللّه حقا لا إله إلا اللّه هو وأولئك وضعوا الاسم على غير مسماه فأخطؤوا ، فسمينا نحن علماء سعداء وأولئك سموا جهلاء أشقياء فنحن عباد المسمى والاسم مندرج فيه وهم عباد الاسم لا المسمى كما قال
وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً
[ الرعد : 15 ] فالمؤمن يسجد للّه طوعا والمشرك يسجد للّه كرها لأنه عبد الوثن فتبرأ الوثن منه فوقعت عبادته للّه تعالى كرها على رغم أنفه .
وقال في الباب السبعين من « الفتوحات » : إنما لم يقبل توحيد المشركين شرعا في قولهم
ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى
لأن الدليل يضاد المدلول والتوحيد المدلول والدليل مغاير له فلا توحيد انتهى . ( فإن قيل ) فهل لنا علة أخرى في برهان التمانع غير الفساد في قوله تعالى :
لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا
[ الأنبياء : 22 ] ( فالجواب ) كما قاله الشيخ في الباب الثالث والسبعين : أنّ علة منع وجود إلهين كون الحق تعالى لا مثل له فلو صح أن يكون في الوجود إلهان لصح أن يكون له تعالى مثل وذلك محال لأن اللّه تعالى نفى أن يكون له مثل
شرح
من باب :كُلًّا نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً[ الإسراء : 20 ] فالنفس محل قابل لما تلهمه من الفجور والتقوى فتميز الفجور لتجتنبه والتقوى فتسلك طريقها فليست النفس أمارة بالسوء من حيث ذاتها لأن مرتبتها المباح الشرعي لا تتعداه وأما قول اللّه إن النفس لأمارة بالسوء فليس هو حكم اللّه تعالى وإنما حكى تعالى ما قالته امرأة العزيز في مجلس العزيز وهل أصابت في هذه الإجابة أم لم تصب هذا حكم آخر مسكوت عنه فبطل التمسك بظاهر هذه الآية والدليل إذا دخله الاحتمال سقط الاحتجاج به واللّه أعلم .