تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر ( وفي الحاشية الكبريت الأحمر ) — صفحة 65

مساهمون:

ص٦٥
إنها من طريق الأحدية فكيف صح ذلك مع امتناع التجلي فيها فإن الأحد لا يقبل وجود غيره معه بخلاف الواحدية . فإن الجواب ما قاله في « الفتوحات » في الباب الثاني والسبعين ومائتين : أنه لا يصح لعبد أن يعبد اللّه تعالى من حيث أحديته ذوقا لأن الأحدية تمحي وجود العابد فكأنه تعالى يقول لا تعبدوني إلا من حيث ربوبيتي فإن الربوبية هي التي تعرفونها لكونها أوجدتكم فما صح لأحد تعلق إلا بها ولا تذلل إلا لها فمن تعبد لحضرة الأحدية فقد تعبد نفسه لغير معروف وطمع في غير مطمع لأن الأحدية من خصائص الذات التي تمحق الأغيار فعلم أن ما سوى اللّه لا أحدية له مطلقا وأن المراد بقوله تعالى ولا يشرك بعبادة ربه أحدا المجاز لا الحقيقة لأنه خلاف ما يفهمه أهل اللّه تعالى في تقديرهم المعاني وإن كانت لفظة الأحدية جاءت ثابتة الإطلاق على ما سواه تعالى كما في هذه الآية ويؤيد ما قررنا قوله تعالى لمحمد صلى اللّه عليه وسلم
قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ
[ الإخلاص : 1 ] أي لا يشاركه أحد في صفة الأحدية . قال الشيخ محيي الدين : وأما الواحد فقد نظرنا في القرآن فلم نجده أطلقه على غيره كما أطلق الأحدية وما أنا منه على يقين فإن كان لم يطلقه فهو أخص من الأحدية ويكون اسما للذات علما لا صفة كالأحدية ، إذ الصفة محل الاشتراك ولهذا أطلقت على ما سوى اللّه كما مر انتهى . فإن قيل : قد أجمعوا على أن كل صادق ناج ومعلوم أن المشرك صادق في أنه مشرك فلم لا ينفعه صدقه . فالجواب ما قاله الشيخ في الباب الخامس والخمسين وثلاثمائة من « الفتوحات » : أن الصدق لا ينجي صاحبه إلا إن وافق الحق فإن النميمة والغيبة قد تكونان صدقا ومع ذلك فهما محرمتان ولذلك قال تعالى
لِيَسْئَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ
[ الأحزاب : 8 ] يعني أهل أمرهم الحق بذلك الصدق أم نهاهم عنه ؟ فكل حق صدق وليس كل صدق حقا . فعلم أن المشرك صادق في أنه مشرك وما هو صادق في أن الشركة في الألوهية صحيحة وقد بحث هو بالأدلة الشرعية والعقلية فلم يجد لما ادعاه عينا في الصدق انتهى . فإن قيل : فهل يصح أن يتبرأ الحق تعالى من الشريك من حيث إنه عدم لا وجود له في نفس الأمر . فالجواب ما قاله الشيخ في الباب الحادي وثلاثمائة : أنه لا يصح أن يتبرأ الحق تعالى من الشريك لأنه عدم وإنما يتبرأ من المشرك من حيث إنه اتخذ آلهة من دون اللّه بغير
شرح
المشاهدة والدليل السمعي قد أومأ إليها وما صرح وقد منع الدليل العقلي من إدراك حقيقة ذاته تعالى من طريق الصفة الثبوتية النفسية التي هو في نفسه عليها فلم يدرك العقل بنظره إلا صفات السلوب لا غير وقد سموا ذلك معرفة ، وكلما زادت الحيرة زاد العلم باللّه تعالى ولذلك كانت حيرة أهل الكشف أعظم وقال : لولا منازعة الإنكار من العلماء وأولي الأمر على أهل اللّه عز وجل لأتوا بنظير ما جاءت به الأنبياء من صفات اللّه تعالى من تعجب ، وفرح ، وضحك ونزول ومعية ولكن نعم ما فعل العلماء في إنكارهم ونعم ما فعل أهل اللّه في عدم التلفظ بما أطلعهم