تجل إلهي لقلوبهم أفادهم العلم الضروري بتلك الشهادة لأنه شهادته تعالى لنفسه بالتوحيد ما هي عن إخبار عن غيره حتى تكون إيمانا فإن متعلق الإيمان إنما هو الخبر عن وقوع أمر فيسمعه السامع فيؤمن به ، وإخبار اللّه تعالى عن نفسه ليس كذلك وقد استفدنا من إضافتهم إلى العلم دون الإيمان الإعلام من اللّه تعالى لنا بأن المراد بأولي العلم أهل التوحيد الذين حصل لهم التوحيد بالطريق المتقدم وقد يلحق بهم من حصل له التوحيد من طريق العلم النظري وليس المراد بهم من حصل له ذلك من طريق الخبر وكأنه تعالى يقول وشهد الملائكة بتوحيدي بالعلم الضروري الذي استفادوه من التجلي لقلوبهم وقام لهم مقام النظر الصحيح في الأدلة فشهدت لي يعني الملائكة بالتوحيد كما شهدت لنفسي وشهد بذلك أيضا أولوا العلم بالنظر العقلي الذي جعلته لهم انتهى . قلت : ويؤيد ما قرره الشيخ قوله صلى اللّه عليه وسلم : من مات وهو يعلم أن لا إله إلا اللّه دخل الجنة لأنه صلى اللّه عليه وسلم لم يقل يؤمن ولا يقول بل قال : يعلم وأفرد العلم وذلك لأن الإيمان متوقف وجوده على وجود الخير كما مر وذلك متوقف على مجيء الرسل والرسول لا يثبت حتى يعلم الناظر العاقل أن ليس ثم إلا إله واحد ثم يقول ذلك لقول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم له قل لا إله إلا اللّه لقول اللّه له : قل ذلك له وحينئذ يسمى مؤمنا فإن الرسول أوجب عليه أن يقولها لو كان عالما هو بها في نفسه من غير واسطة قال اللّه تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ
[ النساء : 136 ] أي آمنوا بمحمد ولو كنتم مؤمنين من جهة شريعة موسى وعيسى إذ الحكم إنما هو لشريعة محمد الآن وكذلك الحكم في أهل الفترات يؤمرون كذلك بالإيمان بمحمد صلى اللّه عليه وسلم إذا أدركوا زمن رسالته ولو كانوا موحدين قبل ذلك بالنور الذي قذفه اللّه في قلوبهم كقس بن ساعدة وسيف بن ذي يزن وأضرابهما . فعم صلى اللّه عليه وسلم بقوله من مات وهو يعلم جميع أنواع التوحيد من طريق الخبر أو العلم الضروري وإنما جعل صلى اللّه عليه وسلم صاحب هذا التوحيد العلمي سعيدا ويدخل الجنة وإن لم يتصف بالإيمان لأن النار بذاتها لا تقبل خلود موحد فيه أبدا بأيّ طريق كان توحيده . فإن قيل : فلم لم يقل صلى اللّه عليه وسلم في هذا الحديث السابق ويعلم أن محمدا رسول اللّه مع أنه لا بد من ذلك في طريق سعادة المؤمن فالجواب كما قاله القصري في « شرح شعب الإيمان » أنه إنما لم يأت بها في الحديث لتضمن الشهادة بالتوحيد الشهادة بالرسالة في حق من قالها امتثالا للشارع صلى اللّه عليه وسلم فإن القائل لا إله إلا اللّه لا يكون مؤمنا إلا إذا قالها لقول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم
شرح
على بينة من ربي أن اختصاص البسملة في أول كل صورة إنما هو تتويج الرحمة الإلهية في منشور تلك السورة وأن الرحمة تنال كل مذكور فيها من المسلمين فإنها علامة اللّه على كل سورة أنها منه كعلامة السلطان على مناشيره والحكم للتتويج فإن به يقع القبول ، وبه يعلم أنه من عند اللّه هذا أخبار الوارد لنا ونحن نشهد ونسمع ونعقل وللّه الحمد لكن في حجاب عن شهود المحل الذي نزلت منه الشرائع ليفرق بين مقام الولاية ومقام الرسالة فافهم ( وذكر ) أيضا في الباب الثامن والثلاثين وثلاثمائة ما نصه : أعلم أن اللّه تعالى جعل البسملة أول كل سورة من القرآن حاكمة على كل وعيد فيها لأحد من المسلمين فمال كل موحد إلى الرحمة لأجل بسم