فإن قيل فهل لقوله تعالى :
وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ
[ المؤمنون : 117 ] مفهوم فالجواب كما قال في « الفتوحات » في الباب الثامن والتسعين ومائة : إنه لا مفهوم له لأن الاجتهاد في الأصول ممنوع عند المحققين فيأثم من أخطأ فيه . فإن قيل : فما وجه تنكير قوله تعالى
إِلهاً
في هذه الآية . فالجواب أنه إنما نكره لأنه لم يكن موجودا ثم إذ لو كان موجودا لتعين ولو تعين لم يصح تنكيره فدل على أن من يدعو مع اللّه إلها آخر قد نفخ في غير ضرم واستسمن ذا ورم وليس له متعلق يتعين ولا حق يتضح ويتبين وكان مدلول ادعائه العدم المحض ولم يبق إلا من له الوجود المحض إذ كل شيء يتخيل فيه أنه شيء فهو هالك في عين شيئيته عن نسبة الألوهية إليه لا عن شيئيته في نفسه فإن وجه الحق تعالى فيه باق إذ هو معلوم علمه اللّه تعالى فاللّه تعالى هو المعلوم المجهول انتهى .
فإن قلت : لفظة التوحيد توهم أن العبد هو الذي وحد ربه وفي ذلك رائحة الافتقار وتعالى اللّه عن ذلك فالجواب ما قاله في « الفتوحات » في الباب الثالث والسبعين أن الحق تعالى غني عن توحيد عباده له فإنه الواحد لنفسه ووحدانيته ما هي بتوحيده موحد وذلك لئلا يكون الحق تعالى الذي هو المقدس أثرا لهذا العمل فتفطنوا أيها الإخوان لهذه النكتة فإنها دقيقة جدا .
قال الشيخ : ولغناه تعالى عن توحيد عباده قال :
شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ
[ آل عمران : 18 ] فأخبر تعالى أنه الموحد نفسه بنفسه وعباده إنما هم شهداء على شهادته لنفسه على سبيل التصديق ، والاعتراف والإذعان . فإن قيل عطف الملائكة أولوا العلم على شهادته لنفسه بالواو قد يوهم الاشتراك في الوقت والاشتراك هنا لأن شهادة الحق لنفسه لا افتتاح لها والملائكة وأولوا العلم محدثون بلا شك . فالجواب أنه لا اشتراك إلا في الشهادة قطعا ، وأما الوقت فلا يصح فيه اشتراك لكون شهادة الحق تعالى كانت قبل خلق الزمان ووقت شهادة عباده له إنما هي حين أظهرهم فافهم .
فإن قيل فلم خص في الآية أولي العلم بالشهادة دون أولي الإيمان . فالجواب أنه تعالى إنما خص أولي العلم بالشهادة لأن شهادتهم ليست عن علم من طريق الإيمان وإنما هي عن
شرح
السورة ليعلم أن المقصود بها أوائل السور بدليل أنهم لم يعملوا بذلك في :بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها[ هود : 41 ] واقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ[ العلق : 1 ] .
( قلت ) : وقد ذكر الشيخ أيضا في الباب الحادي والثلثمائة ما نصه الأوجه عندي أن سورة الأنفال وبراءة سورة واحدة ولذلك تركت البسملة بينهما وإن كان لتركها وجه هو عدم المناسبة بين الرحمة والتبري ولكن ما لهذا الوجه تلك القوة بل هو وجه ضعيف وذلك أن البسملة موجودة في كل سورة أولها :وَيْلٌوأين الرحمة من الويل انتهى وذكر أيضا في الباب السابع والعشرين وثلاثمائة ما نصّه أخبرني الوارد والشاهد يشهد له بصدقه مني بعد أن جعلني في ذلك