الحقائق لا تتغير عن ذواتها فإنها لو تغيرت لتغير الواحد في نفسه وتغير الحق تعالى في نفسه وتغير الحقائق محال . انتهى . وسيأتي بسط ذلك في مبحث نفي الحلول والاتحاد إن شاء اللّه تعالى . فإن قيل : فما وجه كفر من قال إن اللّه ثالث ثلاثة مع كون رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال لأبي بكر الصديق وهما في الغار حين خاف من المشركين ما ظنك بإثنين اللّه ثالثهما . فالجواب كما قاله الشيخ محيي الدين في باب الأسرار : إن وجه كفر من قال إن اللّه ثالث ثلاثة كونه جعل الحق تعالى واحدا من الثلاثة على الإبهام والتساوي في مرتبة واحدة ولو أنه قال إن اللّه تعالى ثالث اثنين لم يكفر كما في الحديث والمراد بقوله صلى اللّه عليه وسلم في الحديث اللّه ثالثهما أي حافظهما في الغار من الكفار واللّه أعلم . وقال الشيخ أيضا في الباب الحادي والثلاثين ومائة من « الفتوحات المكية » : وإنما لم يكفر من قال إن اللّه تعالى ثالث اثنين أو رابع ثلاثة لأنه لم يجعله من جنس الممكنات بخلاف من قال إن اللّه ثالث ثلاثة أو رابع أربعة أو خامس خمسة ونحو ذلك فإنه يكفر فتأمل فإن اللّه تعالى واحد أبدا لكل كثرة وجماعة ولا يدخل معها في الجنس لأنه إذا جعلناه رابع ثلاثة فهو واحد منفرد أو خامس أربعة فهو واحد منفرد وهكذا بالغا ما بلغ . قال :
وليس عندنا في العلم الإلهي أغمض من هذه المسألة لأن الكثرة حاكمة في عين وجود الواحد بحكم المعية ولا وجود لها فيه إذ لا حلول ولا اتحاد . انتهى . وقال في الباب التاسع والسبعين وثلاثمائة من « الفتوحات » أيضا في قوله تعالى :
ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ
[ المجادلة : 7 ] الآية : اعلم أن اللّه تعالى مع الخلق أينما كانوا سواء كان عددهم شفعا أو وترا لكن لا يكون اللّه تعالى واحدا من شفعيتهم ولا واحدا من وتريتهم إذ صفته التي ظهرت للمشاهد لا يمكن أن تقف في المرتبة العددية التي وقف فيها الخلق أبدا فمتى انتقلوا إلى المرتبة التي كان فيها صفة الحق تعالى انتقلت صفة الحق تعالى إلى المرتبة التي تليها قبل انتقالهم . قال وهذا تنزيه عظيم لا يصح للخلق فيه مشاركة مع الحق تعالى أبدا .
فإن قيل فما أجرأ الخلق على القول بتعدد الآلهة مع أن تعددها لا وجه له عقلا . فالجواب كما قاله الشيخ في الباب الرابع والأربعين وثلاثمائة : إن الذي أجرأهم وأدخل عليهم الكفر والشرك هو وجود التنكير الذي جاء من لفظ إله من قوله تعالى :
وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا إِلهٌ واحِدٌ
[ المائدة : 73 ] فهذا هو الذي أجرأ المشركين على اتخاذ الآلهة من دون اللّه قال وانظر إلى الاسم
شرح
شريعة مثل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ولذلك لم يقل في أولي الأمر : أطيعوا مثل ما قال في رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فليتأمل . وقال فيه إنما أمر اللّه الخلق بالسجود وجعله مقام قربه بقوله :وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ[ العلق : 19 ] وبحديث : « أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد إعلاما لنا بأن الحق تعالى في نسبة الفوقية إليه من قوله :وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ[ الأنعام : 18 ] وبقوله :يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ[ النحل : 50 ] كنسبة التحتية إليه سواء فإن الساجد يطلب السفل بوجهه كما أن القائم يطلب العلو إذا رفع وجهه في حال الدعاء ويديه ، وقد جعل اللّه السجود حال قرب من اللّه إليه فلم يقيده سبحانه الفوق عن التحت ولا التحت عن الفوق لأنه خالق الفوق والتحت