كياني كل ذلك لي بحكم الإرث لا بحكم الاستقلال فإن النفث في الروع منحط عن رتبة وحي الكلام ووحي الإشارة والعبارة . ففرق يا أخي بين وحي الكلام ووحي الإلهام تكن من العلماء الأعلام . وقال في الباب السابع والأربعين من « الفتوحات » : اعلم أن علومنا وعلوم أصحابنا ليست من طريق الفكر وإنما هي من الفيض الإلهي . وقال في الباب السادس والأربعين ومائتين منها : جميع علومنا من علوم الذوق لا من العلم بلا ذوق فإن علوم الذوق لا تكون إلا عن تجل إلهي والعلم قد يحصل لنا بنقل المخبر الصادق وبالنظر الصحيح . وقال في الباب التاسع والثمانين منها والباب الثامن والأربعين وثلاثمائة : اعلم أن ترتيب أبواب « الفتوحات » لم يكن عن اختيار مني ولا عن نظر فكري وإنما الحق تعالى يملي لنا على لسان ملك الإلهام جميع ما نسطره وقد نذكر كلاما بين كلامين لا تعلق له بما قبله ولا بما بعده كما في قوله تعالى :
حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى
[ البقرة : 238 ] بين آيات طلاق ونكاح وعدة وفاة نتقدمها وتتأخر عنها انتهى . وأطال في ذلك . وقال في الباب الثامن من « الفتوحات » : اعلم أن العارفين رضي اللّه عنهم لا يتقيدون في تصانيفهم بالكلام فيما بوّبوا عليه فقط وذلك لأن قلوبهم عاكفة على باب الحضرة الإلهية مراقبة لما يبرز لهم منها فمهما برز لهم كلام بادروا لإلقائه على حسب ما حد لهم فقد يلقون الشيء إلى ما ليس من جنسه امتثالا لأمر ربهم وهو تعالى يعلم حكمة ذلك . انتهى . فهذه النقول تدل على أن كلام الكمل لا يقبل الخطأ من حيث هو واللّه أعلم . وقال الشيخ محيي الدين في الباب الحادي والسبعين : اعلم أن العلوم الضرورية مقدمة على العلوم النظرية إذ العلم النظري لا يحصل إلا أن يكون الدليل ضروريا أو متولدا من ضروري على قرب أو بعد وإن لم يكن كذلك فليس بدليل قطعي ولا برهان . وقال في الباب الثامن والستين من « الفتوحات » : اعلم أن العقائد الصحيحة هي كل ما كان عن كشف وشهود وأما من ربط عقيدته بأمر مربوط مقيد بوجه دون آخر فلا يبعد أنه ينكر الحق إذا جاءه من غير ذلك الوجه الذي تقيد به فإذن : الكامل من بحث عن منازع الاعتقاد ونظر في كل قول من أين انتحله قائله وأطال في ذلك . ثم قال : واعلم أن الإنسان إذا أخذ عقيدته من أبويه أو من مربيه تقليدا ثم إنه بعد ذلك عقل الأمر ورجع إلى نفسه واستقل بالنظر فللعلماء في ذلك خلاف فمنهم من قال يبقى على عقيدته تلك ومنهم من قال ينظر في الدليل حتى يعرف الحق ولكل
شرح
بنهار لعدم طلوع الشمس للأبصار فكذلك ما فعله السحرة ما هو باطل محقق فيكون له عدما فإن العين أدركت أمرا ما لا تشك فيه وما هو حق محض فيكون له وجود في عينه فإنه ليس هو في نفسه كما تشهد العين ويظنه الرائي انتهى وأشار إلى ذلك أيضا في الباب السادس عشر من الأصل ( قلت ) : وهو كلام نفيس ما سمعنا بمثله قط .