تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر ( وفي الحاشية الكبريت الأحمر ) — صفحة 46

مساهمون:

ص٤٦
غالبا . وأما علم الأسرار فهو العلم الذي فوق طور العقل ولذلك يتسارع إلى صاحبه الإنكار لأنه حاصل من طريق الإلهام الذي يختص به النبي والولي وعلامته أنه إذا أخذته العبارة سمج وبعد عن الأفهام دركه وربما رمت به العقول الضعيفة أو المتعصبة التي لم توف النظر والبحث حقه ومن هنا كان من يريد تفهيم العلم لغيره لا يقدر أن يوصل ذلك العلم إلى الأفهام الضعيفة إلا بضرب الأمثلة والمخاطبات الشعرية وأكثر علوم الكمل من هذا القبيل ، وكان الشيخ محيي الدين بن العربي يقول : من شأن العارفين أنهم إن كانوا في سلطان الحال أجابوا بالنصوص وإن كانوا في المقام أجابوك بظواهر الأدلة فهم بحسب أوقاتهم . فقد بان لك أن علوم الأسرار لا تنال بالفكر وإنما تنال بالمشاهدة أو الإلهام الصحيح وما شاكل هذه الطرق . ومن هنا تعلم الفائدة في قوله صلى اللّه عليه وسلم إن يكن من أمتي محدثون فهو عمر ذكره الشيخ محيي الدين في رسالته التي كتبها إلى الشيخ فخر الدين الرازي وهي نحو ثلاثة كراريس ثم لو قدر أن الإنكار لم يقع في الوجود على أهل اللّه تعالى وكان الناس كلهم أصحاب عقول سليمة لم يفد قول أبي هريرة حفظت عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وعاءين فأما أحدهما فبثثته وأما الآخر فلو بثثته لقطع مني هذا البلعوم يعني مجرى الطعام وكذلك لم يفد قول ابن عباس لو أني ذكرت لكم ما أعلم من تفسير قوله تعالى
يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ
[ الطلاق : 12 ] لرجمتموني أو لقلتم إني كافر . ونقل الإمام الغزالي في « الإحياء » وغيره عن الإمام زين العابدين علي بن الحسين رضي اللّه عنه أنه كان يقول :
يا رب جوهر علم لو أبوح به * لقيل لي أنت ممن يعبد الوثنا ولاستحلّ رجال المسلمين دمي * يرون أقبح ما يأتونه حسنا
قال الغزالي : والمراد بهذا العلم الذي يستحلون به دمه هو العلم اللدني الذي هو علم الأسرار لا من يتولى من الخلفاء ومن يعزل كما قاله بعضهم ، لأن ذلك لا يستحل علماء الشريعة دم صاحبه ولا يقولون له أنت ممن يعبد الوثن انتهى . فتأمل في هذا الفصل فإنه نافع لك واللّه يتولى هداك .

الفصل الرابع : في بيان جملة من القواعد والضوابط التي يحتاج إليها من يريد التبحر في علم الكلام .

اعلم رحمك اللّه أن علماء الإسلام ما صنفوا كتب العقائد ليثبتوا في أنفسهم العلم
شرح
هذه الدار الحلوى ، العسل ، والكامل المحقق يأكل فيها الحنظل لا يلتذ فيها بنعمة لاشتغاله بما كلفه اللّه تعالى به من الشكر عليها وغير ذلك من تحمل هموم الناس ، وقال في قوله تعالى :كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ[ الأنعام : 54 ] ونحو قوله تعالى :وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ[ الروم : 47 ] وقوله :وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ[ النحل : 9 ] الحق تعالى ينزه عن أن يدخل تحت حد الواجب الشرعي وإنما المراد أن العلم الإلهي إذا تعلق أزلا بما فيه سعادتنا كان ذلك الوجوب على النسبة من هذا الوجه بمعنى أنه لا بد من وجود تلك الطريق الموصلة إلى ذلك الأمر الذي تعلق به العلم مع كونه تعالى مختارا في ذلك . وقال فيه سبب اضطجاع