علم قدرته على دفع أذيتهم له بتهيؤ أسباب القهر لهم بالقوة والمكنة والأنصار . فإن قيل : فلم لم يترك هذا العارف إظهار معارفه وأسراره بالكلية ويدخل فيما فيه الجمهور حتى يتمكن ويقوى فيكون ذلك أسلم له ، فالجواب : أن العارفين ورثة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فلا يخالفون هديه فحيثما سلك سلكوا كما مر عن الإمام أحمد بن حنبل آنفا فكما أخفى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ما معه من الحق المبين وكتمه عن الجهلة المنكرين حتى أتاه الأمر من اللّه تعالى بإظهار ما معه من الحق فكذلك ورثته . قال سيدي علي بن وفا : ويقال لهذا المعترض أيضا على القوم في رمزهم معارفهم :
أرأيت لو أنكر المجانين على رجل عاقل مخالفته لأمرهم وجنونهم أينبغي له أن يوافقهم على جنونهم فيتجنن مثلهم ويترك عقله حتى يألفوه وهو يمكنه الفرار بعقله أو أرأيت الإنسان الكائن بين الذئاب الضواري إذا لم يرضوه أن يقيم بينهم إلا أن يمشي على يديه ورجليه مكبا على وجهه أو حتى يعوي كعيهم ، أينبغي له أن يفعل ذلك ليقيم بينهم ويألفوه مع أنه يمكنه الفرار منهم والإقامة على طريقة الإنسانية ؟ لا واللّه ، لا ينبغي للقادر على الخير أن ينسلخ منه ليرضي أهل الشر فاللّه ورسوله أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين فنعوذ باللّه أن نرد على أعقابنا بعد إذ هدانا اللّه . وكان بعض العارفين رحمه اللّه يقول : ألسنة جميع المحبين أعجمية على غيرهم وهي لأصحابهم عربية هذا كله في حق المتمكنين من الأولياء ، أما من غلب عليه حاله فمن أدب أهل الطريق التسليم له لأنه يتكلم بلسان العشق لا بلسان العلم الصحيح . وقد بلغنا أن عصفورا راود عصفورة في قبة سليمان بن داود فأبت عليه فقال لها : قد بلغ بي من حبك ما لو قلت لي أقلب هذه القبة على سليمان وجنده لقلبتها فحملت الريح كلامه إلى سليمان فأرسل خلفه وقال : ما حملك أن تقول ما لم نقدر عليه ؟ فقال : مهلا يا نبي اللّه إني عاشق والعشاق إنما يتكلمون بلسان المحبة والعشق ، لا بلسان العلم والتحقيق فأعجب ذلك سليمان انتهى .
وفي ذلك عذر عظيم للعشاق في طريق أهل اللّه عز وجل كسيدي عمر بن الفارض وأضرابه رضي اللّه عنهم أجمعين وفي قصة موسى مع الخضر عليهما السلام باب عذر عظيم لعلماء الشريعة وعلماء الحقيقة وإن كان الذي وقع من موسى إنما هو عن نسيان لشرط الخضر عليه فإن في هذه القصة إقامة عذر لمن أنكر ولمن أنكر عليه لكان من شأن أهل الطريق أن لا يقيموا الحجج على من أنكر عليهم لعلمهم بحجابه عن طريقهم وإنما يقولون له كما قال الخضر :
شرح
لغيره فيعبر من تلك الصورة المرئية في حال النوم إلى معناها المراد بها في عالم اليقظة إذا استيقظ من نومه وكذلك حال الإنسان في الدنيا ما هو مطلوب للدنيا فكل ما يراه من حال وقول وعمل إنما هو مطلوب للآخرة فهناك يعبر ويظهر له في الدنيا حالة اليقظة وأطال في ذلك .