هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ
[ الكهف : 78 ] ، ولو أن أهل اللّه أقاموا الحجة على المنكرين عليهم لقدروا على ذلك لما هم عليه من النور المبين ، فلا تظن يا أخي أنهم عاجزون عن إقامة الحجة وتنسبهم إلى العامية . وإيضاح قصة موسى مع الخضر كما قاله سيدي علي بن وفافي كتابه « الوصايا » أن في القصة تعليم موسى عليه السلام أن يسلم للأولياء باطنا فيما يذكرونه من العلوم اللدنية ثم بعد ذلك التسليم إن اقتضى الشرع منك إنكار شيء من كلامهم أو من أحوالهم فلك إنكاره ظاهرا لكن على وجه الاستعلام والاستفهام لا غير خوفا أن يتشبه بهم في ذلك من ليس هو في مقامهم ، وإلا فما لموسى عليه السلام كف عن الخضر بتلك المعاني التي أبداها الخضر فإن مثلها لا يسقط به المطالبة في ظاهر الشرع فمن خرق سفينة قوم بغير إذنهم وقال : خرقتها كي لا يغصبها ظالم لم تسقط عنه المطالبة بذلك ظاهرا ، ومن قتل صبيا وقال : خشيت أن يرهق أبويه طغيانا وكفرا لم تسقط عنه المطالبة به في ظاهر الشرع أيضا . قال : وقول الولي
وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي
[ الكهف : 82 ] ليس مسوغا لمثل هذه الأعمال في الحكم الظاهر ولو تحققت ولايته لكونه غير رسول ، فعلم أن الإنكار ما وقع من موسى أولا إلا حفظا لنظام الشرع الظاهر خوفا أن يتبع الخضر على ذلك لا غير ثم إنه كف عن الإنكار آخرا حفظا لرعاية أمر اللّه عز وجل في خواص أوليائه ، وذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد . وعلم موسى عند ذلك أن اللّه تعالى عبادا أقامهم لبيان العلوم الموهوبة ، وأنه ليس لأحدهما أن يعترض على الآخر ولا أن ينازعه فيما أقيم فيه وإن كان المعترض أعلى درجة فافهم . ولا يخفى أن جملة العلوم ثلاثة : علم العقل وعلم الأحوال وعلم الأسرار ، فعلم العقل : هو كل علم ضروري بديهي أو حاصل عقب نظر في دليل شرطه العثور على وجه ذلك الدليل وعلامة هذا العلم أنك كلما بسطت عبارته حسن وفهم معناه وعذب عند السامع الفهيم . وأما علم الأحوال فلا سبيل إليه إلا بالذوق ولا يقدر عاقل على وجدانه ومعرفته البتة كالعلم بحلاوة العسل ومرارة الصبر ولذة الجماع ونحو ذلك وهذا العلم متوسط بين علم الأسرار وعلم العقل وأكثر من يؤمن به أهل التجارب وهو إلى علم الأسرار أقرب منه إلى علم العقل النظري ، فلا يلتذ به إذا جاء من غير معصوم إلا أصحاب الأذواق السليمة وعلامة العلم المكتسب أن يدخل في ميزان العقول وعلامة العلم الوهبي أن لا يقبله ميزان العقول من حيث أفكارها بل تمجه
شرح
البتة من هذا الوجه خاصة كالماء فإن منزلته أنه ينزل ويسبح في الأرض ، وكون الأرض الميتة تحيا به أو يهدم بيت العجوز الفقيرة بنزوله ليس ذلك له فيخرج الزهرة الطيبة الريح والمنتنة والثمرة الطيبة والخبيثة ، من حيث مزاج البقعة أو طيبها ، أو خبث البزرة أو طيبها قال تعالى :يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ[ الرعد : 4 ] فإن نوى المكلف خيرا أثمر خيرا وإن نوى شرا أثمر شرا انتهى .
وسيأتي في الباب الثامن والستين ما له تعلق بالنية واللّه أعلم . وقال فيه : العارف يأكل في