أي كفرهم عند من لا يعرف اصطلاحهم ، وكان الإمام أبو القاسم القشيري رضي اللّه تعالى عنه يقول : نعم ما فعل القوم من الرموز فإنهم إنما فعلوا ذلك غيرة على طريق أهل اللّه عز وجل أن تظهر لغيرهم فيفهموها على خلاف الصواب فيضلوا في أنفسهم ويضلوا غيرهم ولذلك نهوا المريد أن يطالع في رسائل القوم لنفسه من غير قراءة على شيخ انتهى . وكان سيدي علي بن وفا رضي اللّه عنه إذا سئل لم رمز القوم كلامهم يقول : افهموا هذا المثال تعلموا سبب رمزهم وذلك أن الدنيا غابة ونفوس المحجوبين عن حقائق الحق المبين من أهلها كالسباع والوحوش الكواسر والعارف بينهم كإنسان دخل ليلا إلى تلك الغابة وهو حسن القراءة والصوت فلما أحس بما فيها من السباع الكواسر اختفى في بطن شجرة ولم يجهر بالقرآن يتغنى به هناك حذر أمنهم أليس يدل اختفاؤه عنهم وعدم رفع صوته بالقرآن على أنه عليم حكيم أو هو بضد ذلك ؟ لا واللّه بل هو عليم حكيم إذ لو تراءى لهم أو أسمعهم صوته وقراءته لم يهتدوا به ولم يفهموا عنه وسارعوا إلى تمزيق جسده وأكل لحمه وكان هو الملقي بنفسه إلى التهلكة ، وذلك حرام فافهموا هذا المثال وقولوا لمن يعترض على العارفين في رمزهم لكلامهم قد أنزل اللّه تعالى على محمد صلى اللّه عليه وسلم فواتح سور كثيرة من القرآن مرموزة وقال تعالى :
وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ
[ الإسراء : 110 ] أي بقراءتك
وَلا تُخافِتْ بِها
فأمره أن لا يجهر بالقرآن بحيث يسمعه الجهلة المنكرون فيسبون بجهلهم من لا يجوز سبه ، لا يخفيه عمن يؤمن به . فكما لم يدل إخفاء النبي صلى اللّه عليه وسلم قراءته عن الجاهلين المنكرين على بطلان قراءته ولا قدح في صحتها كذلك لا يدل إخفاء العارفين كلامهم عن المجادلين بغير علم على بطلانه ومخالفته للشريعة فافهم . لكن إن هيأ اللّه تعالى للعارف أسباب ظهور شأنه وقدر على قهر المنكرين عليه بالحال أو بإدحاض أقوالهم بالحجج الواضحة حتى صاروا يقرون له بالفضل طوعا وكرها فله حينئذ إظهار معارفه على رؤوس الأشهاد كما أظهر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قراءته بالقرآن على رؤوس الكفار حين تهيأت أسباب الظهور وتمكن في أمره وصار له أنصار يحفظونه من الأذى فعلم أن للعارفين في ذلك الأسوة برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وقد اختفى الإمام أحمد بن حنبل رضي اللّه عنه أيام الفتنة ثلاثة أيام ثم خرج ، فقيل له : إنهم إلى الآن في طلبك فقال إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لم يختف في الغار أكثر من ثلاثة أيام ، فقد بان لك أنه ليس للإنسان مقابلة الوحوش والسباع الكواسر والظهور لهم إلا إن
شرح
ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فلا يضر إلا نفسه ولا يضر اللّه شيئا وما ينطق عن الهوى فافهم وقال في قوله تعالى :وَمِنْ آياتِهِ مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ[ الروم : 23 ] إنما لم يقل تعالى :
« وبالنهار » ليحقق لنا أنه يريد أننا في منام في حال يقظتنا المعتادة أي أنتم في منام ما دمتم في هذه الدار يقظة ومناما بالنسبة لما أمامكم فهذا سبب عدم ذكر الباء في قوله :وَالنَّهارِواكتفى بالليل . وقال في قوله تعالى :إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ[ آل عمران : 13 ] هو من العبور لا من الاعتبار فمعنى الآية لا تقفوا على ظاهر الصور بل اعبروا من ظاهر تلك الصورة إلى باطنها المراد منها كما أن الذي يراه الإنسان في حال نومه ما هو مراد لنفسه وإنما هو مراد