كلام الأئمة المجتهدين لكونهم لم يخرجوا عن شعاع نور الشريعة فكذلك لا يجوز لك الاعتراض على العارفين المقتفين آثار رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في الآداب الظاهرة والباطنة ، فكما أوجب المجتهدون وحرموا وكرهوا واستحبوا أمورا لم تصرح بها الشريعة في دولة الأعمال الظاهرة ، فكذلك العارفون أوجبوا أمورا وحرموا وكرهوا واستحبوا أمورا في دولة الأعمال الأعمال الباطنة فالاجتهاد واقع في الدولتين ولا غنى بإحداهما عن الأخرى ، فحقيقة بلا شريعة باطلة ، وشريعة بلا حقيقة عاطلة يعني ناقصة .
فإن قيل : فلم رمز القوم كلامهم في طريقهم بالاصطلاح الذي لا يعرفه غيرهم إلا بتوقيف منهم كما مر ، ولم لم يظهروا معارفهم للناس ، إن كانت حقا كما يزعمون ويتكلمون بها على رؤوس الأشهاد كما يفعل علماء الشريعة في دروسهم ، فإن في إخفاء العارفين معارفهم عن كل الناس رائحة ريبة وفتحا لباب رمي الناس لهم بسوء العقيدة وخبث الطوية . فالجواب :
إنما رمزوا ذلك رفقا بالخلق ورحمة بهم وشفقة عليهم ، كما مر في كلام الشيخ محيي الدين أوائل الفصل . وقد كان الحسن البصري وكذلك الجنيد والشبلي وغيرهم لا يقرؤون علم التوحيد إلا في قعور بيوتهم بعد غلق أبوابهم وجعل مفاتيحها تحت وركهم ويقولون أتحبون أن ترمى الصحابة والتابعون الذين أخذنا عنهم هذا العلم بالزندقة بهتانا وظلما . انتهى . وما ذلك إلا لدقة مداركهم حين صفت قلوبهم وخلصت من شوائب الكدورات الحاصلة بارتكاب الشهوات والآثام ولا يجوز لأحد أن يعتقد في هذه السادة أنهم ما يخفون كلامهم إلا لكونهم فيه على ضلال حاشاهم من ذلك . فهذا سبب رمز من جاء بعدهم للعبارات التي دونت وكان من حقها أن لا تذكر إلا مشافهة ولا توضع في الطروس ، لكن لما كان العلم يموت بموت أهله إن لم تدون دونوا علمهم ورمزوه مصلحة للناس وغيره على أسرار اللّه أن تذاع بين المحجوبين وأنشدوا في ذلك :
ألا إن الرموز دليل صدق * على المعنى المغيب في الفؤاد
وكل العارفين لها رموز * وألغاز تدق على الأعادي
ولولا اللغز كان القول كفرا * وأدى العالمين إلى الفسادي
شرح
عليه السلام وفي مستقر العادة فما كان من خير في هذا الفعل فهو للّه تعالى من حيث ضمير النون وما كان من نكر في ظاهر الأمر في نظر موسى ذلك الوقت كان للخضر من حيث ضمير النون فعلم أن نون الجمع لها هنا وحهان لما فيها من الجمع وجه إلى الخبرية به أضاف الأمر إلى اللّه ووجه إلى العيب به أضاف العيب إلى نفسه قال : ولو أن الخطيب الذي قال : ومن يعصهما فقد غوى يعني اللّه ورسوله كان يعرف هذين الوجهين اللذين قررناهما كما كان الخضر يعرفهما ولم يقل له النبي صلى اللّه عليه وسلم بئس الخطيب أنت فخجل ومن يعص اللّه ورسوله على أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم جمع نفسه مع ربه في ضمير واحد فقال في خطبة رويناها عنه ومن يطع اللّه