المريدين بما وضعوه من الحقائق الكاشفة لمشكلات علم التوحيد وأمراض القلوب ومن فوائد تدوينهم : تلقيح قلوب الناظرين في رسائلهم من بعدهم فيظفروا من تلك المعاني بما يرقيهم ويبعث سحائب الرحمة على قلوبهم وعلى ألسنتهم فتشرق أرض قلوبهم بنور رشدهم وتحيا بإثر هدايتهم ، فنابت عنهم رسائلهم بعد موتهم في نصح المريدين وكان تدوين معارفهم وأسرارهم من أحق الحقوق عليهم لكون غيرهم لا يقوم مقامهم في تدوين دواء أمراض القلوب وآداب حضرات الحق تعالى في جميع الأمور المشروعة فإن لكل مقام حضورا وأدبا يخصه .
فإن قيل لو كان علم هؤلاء الصوفية مطلوبا لدون فيه الأئمة المجتهدون كتبا ولا نرى لهم في ذلك كتابا واحدا . فالجواب إنما لم يضعوا في أمراض القلوب كتبا لأنها لم تكن ظاهرة على أهل زمانهم ولو أنها كانت ظهرت في زمانهم لتأكد عليهم بيان طريق علاجها برسائل مستقلة كما فعل من بعدهم من أئمة طريق أهل اللّه تعالى لأنها من الكبائر بخلاف الزمن الذي بعدهم ظهر فيه الرياء والحسد والكبر والغل والحقد فلذلك دون الناس فيه الرسائل المستقلة وأيضا فإنما لم يدون المجتهدون في طريق القوم كتبا لأنهم كانوا مشتغلين بما هو أهم من ذلك وهو جمع أدلة الشريعة وبيان ناسخها ومنسوخها ومفصلها ومجملها وتمهيد قواعدها ليرجع الناس إلى ذلك إذا حصل لهم زيغ فلو لا قواعد الشريعة التي مهدها المجتهدون ما عرف أحد موازين الأعمال الظاهرة والباطنة ، فكان اشتغال الأئمة المجتهدين بذلك أهم من اشتغالهم بتأليف بعض رسائل خاصة ببعض أقوام قلائل بالنسبة لبقية الأمة ، فافهم . فعلم أن لأئمة الشريعة المنة على سائر الناس من الصوفية وغيرهم فجزى اللّه الجميع خيرا فيما صنفوه ، فإنما كما كان في الكلام في علم الظاهر بقاء روح الاجتهاد الظني الموجب للعمل وإشراقه في مظاهر المرشدين فكذلك كان من باب أولى كلام العارفين فيه بقاء روح اليقين وإشرافها في مظاهر الهادين بالحق .
فإن قيل فلم لم يقتصر هؤلاء الصوفية على المشي على ظاهر الكتاب ، والسنة ، فقط أليس ذلك كان يكفيهم ، كما كفى غيرهم ، فالجواب هذا الاعتراض بعينه اعتراض على الأئمة المجتهدين ومقلديهم فإنهم لم يقفوا على ظاهر النصوص ولا اقتصروا عليه ، بل استنبطوا من النصوص ما لا يحصى من الأحكام والوقائع كما هو مشاهد ، فإن رددت يا أخي استنباط العارفين لزمك أن ترد استنباط المجتهدين ، ولا قائل بذلك ، فكما لا يجوز لك الاعتراض على
شرح
من شأنه أن يكون ماشيا في صلاته بمناجاته ربه في الآيات التي يقرؤها فإن لكل آية منزلا ينزله القارئ ، والقاعد لا يلبس النعلين قال : وإنما أمر موسى عليه السلام بخلع النعلين لأن اللّه تعالى كلمه بلا واسطة بخلاف المصلي منا فإنه في حجاب عن دخول الحضرة التي دخل إليها موسى عليه السلام فلو صلح له دخولها لأمر كذلك بخلع النعلين فإن حكم من دخل حضرة الملك وانتهى سيره خلع نعليه أدبا فبانت رتبة المصلي بالنعلين وأطال في ذلك .