على لسان بعض المعترضين : لم دون هؤلاء العارفون معارفهم وأسرارهم التي تضر بالقاصرين من الفقهاء وغيرهم . أما كان عندهم من الحكمة وحسن الظن والنظر والرحمة بالخلق ما يمنعهم عن تدوينها فإن كان عندهم ذلك فمخالفتهم له نقص وإن لم يكن عندهم حكمة ولا حسن ظن ، فكفاهم ذلك نقصا ، فأجاب بقوله : يقال لهذا السائل أليس الذي أطلع شمس الظهيرة ونشر ناصع شعاعها مع إضراره بأبصار الخفافيش ونحوها من أصحاب الأمزجة الضعيفة ، عليم حكيم فلا يسعه إلا أن يقول نعم هو تعالى عليم حكيم فإن قال صحيح ذلك ولكن عارض ذلك مصالح أخر تربو على هذه المفاسد قلت : وكذلك الجواب عن مسئلتك فكما أن الحق تعالى لم يترك إظهار أنوار شمس الظهيرة مراعاة لأبصار من ضعف بصره فكذلك العارفون لا ينبغي لهم أن يراعوا أفهام هؤلاء المحجوبين عن طريقهم بل الزاهدين فيها بل المنكرين عليها ، وأطال في ذلك ، ثم قال : وحسبك جوابا أن من دون المعارف والأسرار لم يدونها للجمهور بل لو رأى من يطالع فيها ممن ليس هو بأهلها نهاه عنها . وكان بعض العارفين يقول : نحن قوم يحرم النظر في كتبنا على من لم يكن من أهل طريقنا ، وكذلك لا يجوز لأحد أن ينقل كلامنا إلا لمن يؤمن به ، فمن نقله إلى من لا يؤمن به دخل هو والمنقول إليه جهنم الإنكار . وقد صرح بذلك أهل اللّه تعالى على رؤوس الأشهاد ، وقالوا من باح بالسر استحق القتل . ومع ذلك فلم يسع أهله الغفلة والحجاب ، بل تعدوا حدود القوم وأظهروا كلامهم لغير أهله ، فكانوا كمن نقل المصحف إلى أرض العدو الذي لا يؤمن به ، مع أن اللّه تعالى نهاه عن ذلك ، فمكنوا أعداء اللّه تعالى من قراءته بقلوب زائغة وألسنة معوجة ، فطائفة تستهزىء به . وطائفة تتبع ما تشابه منه ابتغاء الفتنة ، وابتغاء تأويله فزادوا بتمكينهم منه في الضلال والطغيان والإنكار على أهل الإسلام وأطال في ذلك . ثم قال وهل دون المجتهدون رضي اللّه تعالى عنهم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم ما استنبطوه من الكتاب والسنة ليستعان به على هوى النفس ، وحب الرياسة ، وكسب الدنيا به والمزاحمة به على التقرب من الملوك والأمراء لا واللّه ما كان ذلك قصدهم ، ولكن كان أمر اللّه قدرا مقدورا ، فكما أن المجتهدين لم يمنعوا من تدوين العلم الذي يكتسب الناس به بعض الدنيا ، بل جعل الشارع لهم أجزيتهم الصالحة ، وإن لم يعمل بذلك الناس ، فكذلك العارفون لهم أجزيتهم وقصدهم الصالح من نفع
شرح
ربه دعاء لا أمرا محمد بن علي الترمذي الحكيم رضي اللّه تعالى عنه وكان من الأوتاد ما سمعنا بهذا الاصطلاح عن أحد سواه وهو أدب عظيم وإن كان هو في الحقيقة أمرا لأن الحد شمله فليتأمل .