يريدوا نفي علمه تعالى بها ، وإنما قصدوا بذلك أن الحق تعالى يعلم جميع الأشياء كليات وجزئيات علما واحدا ، فلا يحتاج في علمه بالجزئيات إلى تفصيلها ، كما هو شأن علم خلقه تعالى اللّه عن ذلك فقصدوا تنزيهه عن توقف علمه على التفصيل فأخطئوا في التعبير ، فعلم أن من كان معلمه اللّه تعالى كان أحق بالاتباع ممن كان معلمه فكره ، ولكن أين الإنصاف وأطال في ذلك ثم قال فصان اللّه نفوسهم بتسميتهم الحقائق إشارات لكون المنكرين ، لا يردون الإشارات وأين تكذيب هؤلاء المنكرين لأهل اللّه في دعواهم العلم من قول علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه ، لو تكلمت لكم في تفسير سورة الفاتحة لحملت لكم منها سبعين وقرا فهل ذلك إلا من العلم اللدني الذي آتاه اللّه تعالى له من طريق الإلهام إذ الفكر لا يصل إلى ذلك . وقد كان الشيخ أبو يزيد البسطامي يقول لعلماء زمانه : أخذتم علمكم ميتا عن ميت وأخذنا علومنا عن الحي الذي لا يموت . وكان الشيخ أبو مدين إذا سمع أحدا من أصحابه يقول في حكاية :
أخبرني بها فلان بن فلان يقول : لا تطعمونا القديد ، يريد بذلك رفع همة أصحابه ، يعني لا تحدثوا إلا بفتوحكم الجديد الذي فتح اللّه تعالى به على قلوبكم في كلام اللّه تعالى أو كلام رسوله صلى اللّه عليه وسلم . فإن الواهب للعلم الإلهي حي لا يموت ، وليس له محل في كل عصر إلا قلوب الرجال . انتهى . وسيأتي بسط ذلك أيضا في آخر المبحث السابع والأربعين . قال شيخ الإسلام سراج الدين المخزومي رضي اللّه عنه في رمز الأشياخ علومهم ثلاثة أمور محققة : أحدها :
حجب من يريد التسلق على طريق القوم بغير أدب ، ولا دخول من بابهم عن إفشاء أسرار الربوبية من غير ذوق ، فيقع في إفشائه ، أو يكفر أهل اللّه بفهمه السقيم . الثاني : أن في ذلك إشارة لطالب هذا الفن أن يكون متبحرا في العلوم مداوما على آداب طريق القوم حتى تنكشف له الحجب ويطلع على العلم والمعلوم مع إهدة وذوقا . الثالث : أن علم القوم من سالف الزمان لا يخوض فيه إلا كل جواد في العلوم صنديد في علوم المتكلمين حتى كان الفخر الرازي يقول : ما أذن لي في تدريس علم الكلام حتى حفظت منه اثنتي عشرة ألف ورقة هذا مع أن علم الكلام أهون من علم التوحيد الذي يخوض فيه القوم ، وقد قال الإمام الشافعي للربيع الجيزي : إياك وعلم الكلام وعليك بالاشتغال بعلم الفقه والحديث فلأن يقال لك أخطأت خير من أن يقال لك كفرت . انتهى . وسئل الأستاذ علي بن وفا رضي اللّه عنه من بعض العارفين
شرح
حظ أهل النار من النعيم عدم توقع العذاب وحظهم من العذاب في حال عدمه توقعه فلا أمان لهم بطريق الأخبار من اللّه تعالى بقوله :لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ[ الزخرف : 75 ] وأطال في ذلك