تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر ( وفي الحاشية الكبريت الأحمر ) — صفحة 297

مساهمون:

ص٢٩٧
امتلأ منه رعبا وهوى من الجبل إلى الأرض وجاء إلى بيت خديجة وهو يقول : زملوني فعلى هذا لو بعث اللّه تعالى ملائكة رسلا إلى عباده لفروا منهم ولم يطيقوا سماع كلامهم بل ربما صعقوا من هيبتهم وماتوا كما قال تعالى :
وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ
[ الأنعام : 8 ] . أي : لماتوا من هيبته في الحال فقد بان لك فائدة كون الرسول من جنس المرسل إليهم وهو تمكنهم من الأخذ عنه لاستئناسهم بحكم الجنسية كما قال تعالى :
هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ
[ الجمعة : 2 ] . وقال تعالى أيضا :
وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ
[ إبراهيم : 4 ] . ( فإن قلت ) : فما التحقيق في قوله :
أَ فَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ
[ البقرة : 87 ] هل جميع ما جاءت به الرسل مخالف لهوى النفس من كل وجه أم بعضه موافق لهواها ؟ ( فالجواب ) : كما قال الشيخ محيي الدين في الباب الثامن والتسعين ومائتين : إن الشرع لم يجئ لنا إلا بمساعدة الطبع فلا ندري من أين جاء الإنسان المشقة والكلفة وإيضاح ذلك أن الصفات التي جبل عليها الإنسان لا تتبدل فإنها ذاتية له في هذه النشأة الدنيوية والمزاج الخاص فلا يكاد يفارق الجبن ، والبخل ، والشح ، والحسد ، والتكبر ، والغلظة وطلب القهر وأمثال ذلك ثم لما سبق في علم الحق تعالى أن هذه الصفات لم تكن تتبدل جعل اللّه تعالى لها مصارف وأمر بصرفها إليها حكما مشروعا فإن تبعت النفس تلك المصارف سعدت ونالت الدرجات العلا ، عن إتيان المحارم لم تتوقعه من المضرة لها دنيا وأخرى وشجت كذلك بدينها أن تقع في شيء ينقصه وحسدت من أنفق المال ابتغاء مرضاة اللّه وطلب العلم على وجه الإخلاص وحرصت على الخير أيضا وتكبرت وتعززت باللّه على من تكبر عن أمر اللّه وأغلظت القول والفعل في المواطن التي أمرها اللّه تعالى بها وطلبت القهر والغلبة لمن ناوأ الحق وقاواه فقد بان لك أن صفات النفس لم تتغير في حد ذاتها وإنما صرفت تلك الصفات في المصارف التي ندب الحق تعالى إليها ليحمدها ربها وملائكته ورسله وبيان ذلك أيضا أن الحق تعالى لم يحجر على العبد ما يقتضيه طبعه بالكلية وإنما حجر عليه البعض وما أهلك الناس إلا سلطان الأغراض فإنه الذي أدخل الألم عليهم والمكروه ولو أنهم كانوا صرفوا أغراضهم إلى ما أراده لهم خالقهم
شرح
ويحرم ما كان محللا كما في حديث سيأتي على أمتي زمان يظهر فيه أقوام يسمون الخمر بغير اسمها أي : فتحا لباب استحلالها بالاسم ، وقد تفطن لما ذكرناه الإمام مالك رحمه اللّه تعالى فسئل عن خنزير البحر فقال : هو حرام فقيل له : إنه من جملة سمك البحر فقال : أنتم سميتموه خنزيرا فانسحب عليه حكم التحريم لأجل الاسم كما سموا الخمر نبيذا أو تريزا فاستحلوها بالاسم وقالوا : إنما حرم علينا ما كان اسمه خمرا وأما أدب الإضافة فهو مثل قول الخضرفَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها[ الكهف : 79 ] وقال : فأردنا أن يبدلهما ربهما وذلك للاشتراك بين ما يحمد