وقال أيضا في الباب التاسع والثلاثين وثلاثمائة : اعلم أن الشرع شرعان : شرع منزل إلهي وشرع حكمي سياسي عند فقد هذا الشرع فلا تخلو أمة عن نذير يقوم بسياستها لبقاء المصلحة في حقها سواء كان ذلك الشرع إلهيا أو سياسيا .
( فإن قلت ) : فهل كان لواضعي هذه النواميس علم بأنها مقربة إلى اللّه تعالى أم لا ؟
( فالجواب ) : أنه لم يكن لهم علم بذلك كما أنه لم يكن لهم علم بأنه ثم بعث ولا حشر ولا نشر ولا ميزان ولا حساب ولا صراط ولا جنة ولا نار ولا شيء من أحوال الآخرة جملة لأن ذلك ممكن وعدمه أيضا ممكن ولا دليل لهم في أحد الممكنين بل رهبانية ابتدعوها فلهذا كان مبنى نواميس الحكماء في كل زمان على إبقاء الصلاح في هذه الدار لا غير وغاية علمهم أنهم انفردوا في نفوسهم بالعلوم الإلهية من توحيد اللّه تعالى وما ينبغي لجلاله من التعظيم والتقديس وعدم المثل والشبيه وصاروا يحرضون الناس على النظر الصحيح فكان جل أشغالهم في ذلك فلما عرفوا ذلك شرعوا في البحث عن حقائق نفوسهم حين رأوا أن الصورة الجسدية إذا ماتت ما نقص من أعضائها شيء فعلموا أن المدرك والمحرك لهذا الجسم أمر آخر زائد عليه فبحثوا عن ذلك الأمر الزائد فعرفوا نفوسهم وما حده لهم عقلهم لا غير فأورثهم ذلك ترددا بين التنزيه والتشبيه وحيرة من إثبات المعرفة ونفيها في حق العالم فلما أورثهم ذلك ما ذكر رحمهم اللّه تعالى بإرسال الرسل وأطال الشيخ في ذلك في الباب التاسع وثلاثين وثلاثمائة فراجعه واللّه تعالى أعلم . وأما القسم الثاني : المسمى بشريعة حقيقة هو ما جاء على لسان الصادق المصدوق من سائر الأحكام التي ليس للعقل فيها مدخل إلا من حيث قبولها والإيمان بها لا غير ، كما مر في مبحث المعجزات إذ لو اشتغلت العقول بأمور سعادتها لكان وجود الرسل عبثا ، ومعلوم قطعا أن كل إنسان منا يجهل بالضرورة مآله وإلى أين ينتقل كما يجهل أيضا أسباب سعادته إن سعد أو شقاوته إن شقي وذلك لجهله بعلم اللّه السابق منه وبما يريده به ولماذا خلقه فهو مفتقر بالضرورة إلى التعريف الإلهي له بذلك ولولا إرسال الرسل ما عرفنا الفرق بين الطاعة والمعصية ولا تميز أحد من أهل القبضتين عن الآخر . فعلم أن إرسال الرسل قامت حجة اللّه تعالى على عباده وظهرت وما سعد من سعد إلا بالقسمة الإلهية وما شقي من شقي إلا بها وليس للرسل عليهم الصلاة والسلام أثر في ذلك
إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ
[ الشورى :
48 ]
إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ
[ القصص : 56 ] وكذلك ليس لإبليس أثر في الإضلال إنما هو موسوس للناس أن يفعلوا ما قدره اللّه عليهم وسوف يخطب في النار ويقول :
وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ
[ إبراهيم : 22 ] وذلك مكان
شرح
التراب كل شيء حي . وأطال في ذلك . وقال حيثما أضيف الرزق إلى اللّه تعالى فالمراد به الحلال الطيب من حيث الكسب وكل ما كان به حياة العبد فهو رزق اللّه وليس فيه تحجير ومن هنا كان المضطر لا حجر عليه فعلم أن الحرام لا ينبغي إضافته إلى اللّه تعالى أدبا .