تصديقا للكاذب واللّه تعالى لا يصدق الكاذب واللّه تعالى أعلم .
( فإن قلت ) : فما وجه استحالة المعجزة على يد الكاذب ؟
( فالجواب ) : وجه ذلك أن الناس قد أشبعوا القول في استحالة المعجزة على يد الكاذب وكان ذلك كالإجماع على استحالتها .
( فإن قيل ) : إذا جوزتم إضلال اللّه تعالى الخلق وإغواءهم فما يشعركم أنه تعالى يظهر الآيات على أيدي الكاذبين إضلالا وإغواء ومعلوم أن ساحة ربوبيته تعالى بريئة من وجوب إضلال الخلق وهدايتهم .
( فالجواب ) : أننا إنما جوزنا الإضلال لنصوص القرآن مثل قوله :
يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً
[ البقرة : 26 ] وقوله :
وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ
[ إبراهيم : 27 ] وغيرهما من الآيات وإنما نجوزه فيما لا يؤدي إلى المحال فإن كل ما أدى إلى المحال فهو محال والمحال ، لا يكون مقدورا البتة وذلك من وجوه : إما أن يقع على خلاف المعلوم وإما أن يتناقض الدليل والمدلول فيه وإما أن يلتبس الدليل بالمدلول وإما أن يؤدي إلى تعجيز القدرة وتكذيب الحق تعالى فهذه أربعة وجوه تؤدي إلى المحال فلا تتعلق القدرة بها والمعجزة على يد الكاذب من جملته لأن المعجزة مقرونة بالتحدي نازلة منزلة قول الحق تعالى لذلك الرسول : صدقت وأنت رسولي . كما مر وتصديق الكاذب من المحال لذاته وعينه إذ كل من قال له : أنت رسولي صار رسولا وخرج عن كونه كاذبا والجمع بين كونه كاذبا ورسولا صادقا محال واللّه أعلم . وقد ذكر الشيخ أبو طاهر أن بعض الأئمة قال : إظهار المعجزة على يد الكاذب من المقدورات بناء على أن ما علم اللّه أنه سيكون لا يخرج عن كونه مقدورا وخلاف المعلوم لا يكون مقدورا ثم الذي نقول به :
إن ذلك ولو كان مقدورا فلا يقع ذلك قطعا كما لا ينقلب العلم جهلا وأطال في ذلك في كتاب « سراج العقول » فراجعه إن شئت وحاصله أن شرط المعجز أن يكون ناقضا للعادة لأن الفعل المعتاد يوجد مع الصادق والكاذب وأن يكون في أيام التكليف لأن الذي يظهر في القيامة من انفطار السماء وتكوير الشمس أفعال ناقضة للعادة وليست بمعجزة لأن الآخرة ليست بدار تكليف وأن يكون مقرونا بالتحدي لأنه قد يحصل أحيانا أفعال ناقضة كالزلازل والصواعق
شرح
الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ[ الطلاق : 12 ] . اعلم أن طبقات الأرض سبع كطبقات السماوات في كونها واحدة فوق واحدة قال صلى اللّه عليه وسلم : « فيمن غصب شبرا من الأرض طوقه من سبع أرضين » وذلك أنه إذا غصب شيئا من الأرض كان ما تحت ذلك المغصوب مغصوبا إلى منتهى الأرض السابعة ولو لم تكن طباقا بعضها فوق بعض لبطل المعقول من هذا الخبر وكذلك الخبر الوارد في سجود العبد على الأرض من أن يظهر اللّه ذلك الموضع بسجدته إلى سبع أرضين وقوله :يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ[ الطلاق : 12 ] أي : بين السماوات والأرضين ولو كانت أرضا واحدة ، لقال بينهما . قال : وهذا الذي قررناه هو الظاهر ، وهو الذي أعطاه كشفنا واللّه أعلم . وقال في