وليست بمعجزة لأنها لم تكن مقرونة بذلك وأن يكون على وجه الابتلاء لأنه لو تلقن إنسان سورة من القرآن ثم مضى إلى قبيلة بعيدة لم تبلغهم الدعوة وتنبأ هناك لم تكن معجزة واللّه سبحانه وتعالى أعلم ، فتأمل في هذا المبحث فإنه نفيس واللّه أعلم .
المبحث الثلاثون : في بيان حكمة بعثة الرسل في كل زمان وقع فيه إرسال الأنبياء عليهم الصلاة والسلام
اعلم أن الأصل في هذا المبحث قوله تعالى :
وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا
[ الإسراء :
15 ] . فما عاند بعد إرسال الرسل إلا من لم ينصح نفسه ممن حقت عليه كلمة العذاب والشقاء الأبدي . قال الشيخ محيي الدين رحمه اللّه : واعلم أن جميع الحدود التي حدها اللّه . أي :
قدرها الرب سبحانه وتعالى هذه الدار لا تخرج عن قسمين : قسم يسمى سياسة حكمية بكسر الحاء ، وقسم يسمى شريعة وكلاهما إنما جاء لمصلحة بقاء الأعيان الممكنات في هذه الدار وسلامتها من الفساد فأما القسم الأول : فطريقه الإلقاء بمثابة الإلهام عندنا ، وذلك لعدم وجود شريعة بين أظهر أهل ذلك الزمان فكان الحق تعالى يلقي في نظر نفوس الأكابر من الناس الحكمة فيحدون الحدود ويضعون النواميس في كل مدينة وجهة وإقليم بحسب المزاج الذي تقتضيه طباع تلك الناحية فانحفظت بذلك أموال الناس ودماؤهم وأهلوهم وأرحامهم وأنسابهم وسموها نواميس ومعناها أسباب خير لأن الناموس في الإصلاح هو الذي يأتي بخير عكس الجاسوس فهذه هي النواميس الحكمية وضعها العقلاء عن إلهام من اللّه تعالى من حيث لا يشعرون لأجل مصالح العالم ونظمه وارتباطه انتهى . وقال في الباب السابع والستين وثلاثمائة :
اعلم أنه إنما يتعين استعمال النواميس الوضعية والقوانين السلطانية في أيام الفترات وذلك ليجمع اللّه تعالى باستعمالها شمل العالم قال : وما حرم اللّه تعالى كل من وضع ذلك إجراما من باب
إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ
[ التوبة : 120 ] . قال : وأما استعمال النواميس والقوانين في زمن الشرائع فلا ينبغي استعمالها إلا إذا وافقت الشرائع لأنه يحرم على كل حاكم أن يتعدى شريعة نبيه صلى اللّه عليه وسلم ، قال تعالى :
وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ
[ المائدة : 47 ] .
شرح
قوله تعالى :وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَ فَلا يُؤْمِنُونَ[ الأنبياء : 30 ] . اعلم أن العالم كله في قبضة الحق لا يمكنه الانفكاك عن ذلك والانقباض في المقبوض يبس بلا شك فهو يطلب بذاته لغلبة اليبس عليه ما يرطبه وقوله :أَ فَلا يُؤْمِنُونَ[ الأنبياء : 30 ] أفلا يصدقون . بذلك لجواز خلافه عقلا الذي هو ضد الواقع فإنه لو غلب عليه البرد والرطوبة هلك ولم يكن له شفاء يحيا به إلا الحرارة واليبس ، فكان يقال في ذلك الحال وجعلنا من النار كل شيء حي ولو غلب عليه البرد ، واليبس لكانت حياته بالهواء فيقال في تلك الحالة وجعلنا من الهواء كل شيء حي ولو أفرطت عليه الحرارة والرطوبة لكانت حياته بالتراب وكان يقال في هذه الحالة : وجعلنا من